عبدالله السكوتي غالبا ما كانت تلتئم مجالس العشائر في المضايف بعد صلاة المغرب، والمعروف أن عشاء الريف يأتي مبكرا، فهم يتناولون طعام العشاء في بداية هبوط الظلام، ومن ثم يأتي دور الرجال في الذهاب لقضاء جزء من الليل الطويل في مضيف الشيخ الذي غالبا ما يجمع رجال العشيرة الواحدة، وربما حدث أن زار العشيرة ضيف، وخشيّن رجل بسيط من فلاحي الجنوب،
كان يقضي نهاره في الحرث والزرع، ومن ثم يقضي صباحه المبكر المختلط بالظلام في السقي ويعود متعبا الى حد الاعياء، فيأخذ قسطا من الراحة والنوم، وبعدها يذهب إلى مضيف الشيخ، فيصل على الأغلب وقد انفض المجلس وذهب كل إلى بيته ولم يبق في المضيف سوى (دكّاك الكهوة)، والذي غالبا ما يبيت في المضيف، وتكررت (سالفة اخشيّن) حتى غدت حكاية تلوكها الألسن في أمكنة قريبة وبعيدة، فيقال للمتأخر عن موعد او مجلس أو قضية معينة:(بدوة اخشيّن)، والبدوة في لهجة الجنوب تعني الزيارة.دعوات من هنا وهناك تشبه إلى حد كبير (بدوة اخشيّن)، منها داخلية وأخرى خارجية شفعت بتفجيرات عنيفة وعمليات إرهابية كبيرة بحجم مطلقيها، حيث ابتدأ إرهابيون عرب بكنيسة سيدة النجاة، فدخلوها واحتجزوا المصلين كرهائن، في سياق جديد ينتهجه الإرهاب ليثبت أن له أحبابا كثيرين في العراق يسهلون له الطريق ويكونون عيونا له في معرفة تفاصيل دقيقة عن حياة ومكونات الشعب العراقي، وكانت العملية من الوحشية قد دعت الكثيرين منا إلى مراجعة تراثنا الإسلامي وتمحيصه والبحث في بعض الدهاليز التي أوجدها المتطرفون، وفهم ملائمة الاسلام على اساس التعايش السلمي مع نفسه أولا ومع الآخرين ثانيا، ما يدعو رجال الدين والمتخصصين إلى إعطاء تفسير منطقي لما تقوم به القاعدة، وهي بعد تتكلم باسم الإسلام وتحسب عليه بشكل من الأشكال، لقد كبّر الإرهابيون حين قتلوا أطفال كنيسة سيدة النجاة، ما يمثل خطا شاذا عن حدود العقلانية، في عدم الاعتراف بإنسانية الآخرين، ناهيك عن أن السلوك الذي سلكته القاعدة في استهداف مكون مهم من مكونات الشعب يأتي لإجهاض تجربته الديمقراطية.هنالك شطر في قصيدة للشاعر (ت . س) اليوت، وهذا الرجل كان معروفا في تتبع تراث دينه المسيحي ومحاكاة الإنجيل كثيرا في كتاباته الشعرية، بحيث استطاع أن يترجم الكثير منه شعريا حيث يقول:(في الغابة المنعزلة التقيت ذئبا فقلت له أهلا بك يا أخي)، وربما يجد الإنسان راحة كبيرة تجاه سذاجة الحيوانات وبدائيتها، وربما ذهبت به العزلة بعيدا إلى صداقتها واعتزال الناس.في حين عبّر الإرهابيون عن إيديولوجية منحطة، حيث أعقبوا عملية سيدة النجاة بتفجيرات مريعة أودت بحياة المئات وجرح المئات. أنا لا اعتقد أن هؤلاء ممن يتناسل وينجب الأطفال، أو يحلم بأسرة مستقرة، ولا اعتقد أن هؤلاء يعرفون حنان الأبوة أو الأمومة، لأنه لو امتلك هؤلاء عاطفة تجاه احد ما، لكانت عيون الطفل المسيحي آدم ودعواته المتكررة قد أجبرت هؤلاء على التخلّي عن عدوانيتهم.ربما جرائم القاعدة الأخيرة ستجعل من "اخشيّن" يبكر في الحضور إلى المواقع المهمة، ولا يأتي دوما متخلفا عن الحدث ليرفع جثث الشهداء، ويحاول أن يداري خجله ببعض الأفعال التي تشبه إلى حد كبير، البطل الذي يصل متأخرا ويقسم على الانتقام من العدو.
هواء فـي شبك :(بدوة اخشيّن)

نشر في: 9 نوفمبر, 2010: 10:51 م







