شاكر لعيبي حدثان ثقافيان وقعا هذا الأسبوع يستدعيان تلويحتين اثنتين في المدى وليس تلويحة واحدة كما يشير عنوان هدا العمود. كلاهما مترابطان من الداخل رغم اختلاف الواقعتين وشدة وقعهما.أولاهما تتعلق بأمسية بيت الشعر العراقيّ يوم الأحد، الخامس من تشرين الأول، في مبنى كنيسة سيّدة النجاة ببغداد، استنكاراً لما تعرض له المصلون المسيحيون العراقيون في حادث إرهابيّ
مدو خلف العشرات من الضحايا، "في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق" الحديث مثلما جاء في الخبر. في مساهمة الشعراء العراقيين الذين قدموا للكنيسة من داخل البلد وخارجه مجازٌ رفيعٌ عن أخلاقيات الشاعر ورفعته، حيث لا يكتفي بالتأسي متفرجاً متألماً، إنما فاعلا بالقدر الذي يستطيع، معلناً اندغامه بمنظمات المجتمع المدني التي طالما كان يقع تحاشيها بالبقاء في صفاء المطلق وفي الوهم، بل لكي لا يُتهم بإقامة صلة ما مع الهم الاجتماعي والسياسي المُلح في لحظة ما. لا يوجد بعد حادثة الإجرام القصوى، في مكان للعبادة، واقعة أكثر انحطاطاً لكي يصمت الشاعر تحت أي زعم، مثلما يصمت جل الشعراء العرب حتى المسيحيين منهم، عما يقع في العراق من قتل وترهيب، تحت ذرائع لا مبرر البتة لها بالأحرى في الحالة الراهنة، كأنهم محكومون بسياسات المنابر والصحف التي يشتغلون بها ثم المعتقدات التي ينطلقون منها، وهذه لا يشاطرهم العراقيون دائماً فيها على اختلاف مذاهبهم. هذا الصمت ذو دلالة وليس عارضاً. لو فعلوا لقدموا مساهمة لا تُضاهى في تنبيه الرأي العام على جسامة الجريمة المرتكبة بحق العراقيين جميعاً، ولساهموا في رفد التنوع الثقافي والإثني والديني في عراق لا معنى تاريخياً له من دون تنوعه. سنقول لساهموا كما يحاول أقرانهم في بيت الشعر العراقيّ الوليد، في ترسيخ جذور المسيحيين العراقيين في وطنهم الوحيد الأكيد. إذا كانت قناة الجزيرة بعضاً من ثقافة العرب المعاصرين، على ما يبدو، فإنه من المألوف الغريب إضافتها للازمة الشهيرة "ما يُسمى.." قبل كلمة الإرهاب، أو أنها لا تستخدم المفردة في بعض السياقات، مثل مقام إرهاب سيدة النجاة. متى إذن سيكون الإرهاب إرهاباً بعد جريمة كنيسة العذراء؟. إن ضمير الثقافة على المحك هنا، وضمير الشعراء في المقام الأول طالما أن اليأس يضربنا عميقاً من فعل الساسة والكتبة والصحفيين العابرين. أما التلويحة الثانية فتتعلق الآن بشرف الناقد وموقفه وإنْ كنا في مجرى أقل إيلاماً وقسوة. فقد استقال عبد الله الغذامي من لجنة جائزة الشيخ زايد للكتاب، وهو في هيئتها الاستشارية، على خلفية الجدل الذي أثير بعد أن سُحبت الجائزة من الناقد الجزائري د. حفناوي بعلي لـ"عدم التزامه بحقوق الملكية الفكرية، وتجاوزه حدود الاستشهاد والاقتباس في سياقات والاستحواذ على جهد الآخرين مضموناً ونصاً في كتابه المعنون "مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن". الاتهامات التي وجهت لحفناوي تتعلق باستشهاداته من الغذامي نفسه دون إشارة صريحة لذلك، كأنه يعزوها لنفسه على ذمة باحث مصري. الجدير بالإشارة إلى أن موقفاً كهذا يظل نادر الحدوث حتى بعد فضائح مدوية يعرفها القراء عن الجوائز العربية. نحن اللحظة أمام موقف ناقد جدير باسمه، لأنه يسعى إلى أن يحترم ما كتب من مؤلفات. هنا أيضاً بعضٌ من إيطيقيا الثقافة التي لا تعترف بها الثقافة العربية إلا بصعوبة. أهمية هذا الفعل تجيء من اختلاط الحابل بالنابل، وسعي كثرة متزايدة من المثقفين إلى أن تحوز مكانة ومالاً عبر الوسائط الثقافية بأي ثمن، حتى لو كان ثمنا أخلاقياً. إن غياب الإيطيقيا في الوسط الثقافي العربي ليس أمراً مثيراً للغرابة، ويا للغاربة. كل البراهين تشير لذلك. المثير أن يتخذ ناقدٌ ما موقفاً مغايراً لأخلاق الكاتب مسلوب الإرادة السائد، أن يستقيل كأضعف الإيمان. لقد وقع التلميح في الميديا العربية المعروفة إلى استقالة الغذامي بإعجاب غير معلن، لكأنها لم تتعود على فعل الضمير البديهي، وفعل الشرف الثقافي الذي يتوجب الدفاع عنه، وربما يتوجب أن يمر الخبر مرور الكرام طالما لا يجرؤ إلا القلة النادرة من النقاد المعروفين على ما يشابهه. لكي لا يصير الشعر حدثاً انطوائيا ولا النقد كلاماً متعالياً، ولكي تغدو لهما كثافة داخلية في حقليهما الجماليين المخصوصين وليس بالتعالق مع أي حقل براني آخر، تساهم الأيطيقيا والمواقف النبيلة في ذلك، بطريقة سرية لكن فاعلة. يبدو لنا، دون يقين، أننا في حاجة لذلك في عالم عربي يعيش لحظة تحول كبيرة وفي حيرة من أمره. من الواضح أننا نشهد اليوم انهدام وسقوط أخلاقياته العتيقة البائدة، وهذا أمر قد نثمنه، لكنه لا يقدم في الحقيقة أي أخلاق بديلة بالمعنى العميق للمفردة، ولا ضميراً ثقافياً مغايراً. وهنا تقع المشكلة كلها، وهي التي تفسر لنا لماذا تقف الثقافة العربية على عتبة العالم: لا هي مطرودة خارجه ولا هي في فاعليته.في هذه المرحلة من التلويحتين أعيد قراءة ما كتبتُ، وأجد أنني ركزتُ على "الأيطيقيا" الشعرية و"الأخلاق" الثقافية و"الضمير" النقدي وما شابه، وكلها ستوحي لغير العارف بمن هم على شكالتي من العلمانيين الخلص، بأن الأمر يتعلق بموقع التراجع الفادح عن "العلمانية" لصالح م
تلويحة المدى ..الشاعر والناقد والإيطيقيا

نشر في: 12 نوفمبر, 2010: 05:53 م







