عبدالله السكوتي كان يتأرجح بصوته، يرفعه قليلا ويخفضه قليلا، ويدعي دعاوى غير حقيقية، متهما الشعب العراقي بالمشاكسة، وهذه القضية مرتبطة ارتباطا وثيقا بتاريخ الشعب المرير الذي قطعه تارة بالصبر والمكابرة وتارة بالدماء الغزيرة التي اعطاها ويعطيها ثمنا لحريته،
وربما نشأت هذه النظرة على مر العصور نتيجة ان هذا الشعب شعب حر، ولا يركن الى الدعة او الراحة المفسدة، حتى اتهم عدة مرات بالمشاكسة. كل شعب حي يدلل على حياته اختلافا او ائتلافا، ولا يمكن للشعب ان يكون موافقا في كل الاحوال، لاجل هذا عانت الدول التي احتلت العراق الويلات من شعبه، لانه شعب لا يستكين ولا يقبل بالممكن، فهذا عبد الملك بن مروان سأل الشاميين سؤالا يحتوي على الخبث بعض الشيء، فأتت الصدفة بعراقي بين الموجودين فقام بايجاد الحل، واعطاه للشامي الذي بجانبه على ان يجعل الجائزة مناصفة بينهما، فانبرى الشامي واجاب عبد الملك، فشك عبد الملك بقدرته وسأله عمن هداه الى الجواب، فقال ان عراقيا بين الموجودين هو الذي ارشدني اليه، فما كان من عبد الملك الا ان يستدعي العراقي، ويأمره بمغادرة الشام قائلا:(اخشى ان تفسد عليّ قومي)؛ وهذا الاخ الذي كان يرفع عقيرته بين الموجودين ويحكي حكاية الرجل الانكليزي الذي يمتلك احواضا للسمك، كان يقضي بقربها وقتا طويلا مستمتعا بها وباطعامها، وفي احد الايام جاء فوجد الاحواض مضطربة والسمك مذعورا، فسأل المشرف، ما امر السمك هذا اليوم؟ فقال له: لقد جلبنا سمكا عراقيا من نهر دجلة والقيناه في الاحواض، فكان سببا في هذه الفوضى.لم يكن باستطاعة الحكاية ان تنال بوجه من الوجوه من العراقيين، بل هي في مجموعها تثبت مأثرة لديه وتضع العراقيين على طريق واحد، هو الدفاع عن ذاتهم والتعبير عن تاريخهم مهما يكن نوعه، انه اختلاف صحي غير مرضي، آثره العراقيون على الاستكانة، يعقبه ائتلاف واتفاق يفضي دوما الى الارتفاع بالوطن، ووضع كمامة على افواه المتخرصين الذين يحاولون دوما النيل من تجربة العراق عن طريق بث السم في الحكاية وتوضيفها توضيفا مقلوبا، بحيث يكون مخالفا لما وضعت له، او انه يستخدم التراث استخداما ينم عن سريرة مريضة.ان العراقيين اصحاب تجربة جديدة، اريد لها ان تكون متفردة مع ما دفع الشعب من دماء زكية، اذهل من خلالها الدول المجاورة باصراره على الحياة التي اختارها، مؤكدا ان الديمقراطية وتداول السلطة سلميا، خياران لا عودة عنهما، لقد تذمر الشعب وتكلم وانتفض، لكنه مؤمن ان الديمقراطية طريق لا حياد عنه او الرجوع دونه، مع ما هلل له المهللون من ان الديمقراطية في العراق تلفظ انفاسها الاخيرة، وان العودة الى الديكتاتورية باتت قاب قوسين او ادنى للعودة بالعراق الى الخلف، لكن اصرار الشعب وفهمه لما مرت به الديمقراطية من ازمات ومخاطر على طريق نشأتها في العراق، ربما كان بعضها شديد الوقع عليها، لكنها انتصرت في النهاية كخيار وحيد،تأخرت وفي تأخرها عافية، اذ انها حاولت جاهدة ان تستوعب الشركاء وتتخلص من شوائب الماضي، وان تنظر النظرة الحقيقية المتفحصة لهفوات ربما فرضتها ظروف المرحلة السابقة.لقد ضحك العراق اخيرا وقهقه عاليا، فليسمع ضحكه من سمع بكاء الاطفال في كنيسة سيدة النجاة وليعلم الباطل ان الحق سيزهقه عاجلا ام آجلا، لعيون كل طفل عراقي بكى لفقد احبته ورمي على قارعة اليتم صغيرا، ولعيون الاطفال في كنيسة النجاة، حقق العراق خياره الوحيد وضحك اخيرا، ومن يضحك اخيرا يضحك كثيرا.
هواء فـي شبك :(من يضحك أخيراً)

نشر في: 12 نوفمبر, 2010: 07:50 م







