إحسان شمران الياسري بين الاختراعات الجديدة في مؤسسات الدولة، تعاقدها مع شركات متخصصة في النظافة، لتنظيف مواقعها، فيما غادرت تلك المؤسسات فكرة تعيين المنظفين.. وأصبح لدينا عقود للنظافة تبرمها حالياً أمانة بغداد وبعض البلديات ومؤسسات اخرى..
وليس هذا هو (رّباط الحچي) كما يقول الراحل (أبو كاطع).. بل حاولت أن اقلب عبارة (عقود النظافة) لتكون (نظافة العقود) فوجدتها عبارة غير عابرة، بل خطيرة،حتى أني ترددت من الاستمرار.. ثم توكلت. (نظافة العقود) قصة من قصص دولتنا العزيزة، وهي بالأحرى واحدة من القصص الأكيدة في دول أخرى أيضاً، ودعنا لا نُسميّها. ولا أدري من يستطيع الصبر على قصص العقود ونظافتها.. ومن يُفتي في أن هذا عقد نظيف، وذلك عقد (خسيس).. وحتى العقد الخسيس، أو غير النظيف لا يُشترط أن يكون جميع من اسهموا في إبرامه غير نظيفين ، بل قد يستطيع موظف واحد أن يجعل العقد غير نظيف من وراء ظهر بقية أعضاء اللجنة. العقود شريعة المتعاقدين، تُعبّر عن قدرة كل طرف في الحصول على أفضل الشروط بطرق مشروعة تقوم على العدالة وإبراز الأولويات واحترام الزمن وتغليب المهنية على العاطفة.. ومن توكل إليه مهمة تحضير العقد والتفاوض يجب أن يكون على دراية كافية بالأهداف المكتوبة وغير المكتوب وراء هذا العقد وما هي تفضيلات المؤسسة.. وأن يكون لديه كم هائل من المعلومات حول الظروف والبيئة والسوق والمتنافسين فيه والتجارب السابقة في التعاقد، فضلا عن المعلومات الإضافية حول من نروم التفاوض معه.. وإن يكون لماّحاً لكل شاردة وواردة وإشارة تصدر من هذا أو ذاك.. كما يتطلب منه أن لا يخاف من التلميحات وأشباه التهديدات والوعود والوعيد.. عليه ان يكون مؤمناً بنزاهته وبوطنيته وأن لا تستّفزه بعض التلميحات التي قد تصدر حتى من الرقباء، فيخاف، ويفقد توازنه، ثم يُصّدق إنه محل شبهة، وقد يدفعه البعض للاعتقاد بأنه (حرامي) لمجرد انه يحاول التفاوض بطريقة مؤدبة ورفيعة المستوى تُظهر هيبة مؤسسته ورفعتها.. ويقال بهذا الصدد إن اعضاء إحدى اللجان سيقوا للتحقيق لأنهم قدموا الشاي لمن كانوا يتفاوضون معه، باعتبار إن ما وراء الشاي هو الأعظم! إن هيبة المؤسسة لا تتجلى بـ(جَلافة وصلف) موظفيها.. ولا تتجلى بالتضييق (حد الموت) بالشروط، إلى أن يهرب الشخص المزمع التعاقد معه.فعشرات العقود تعثّرت وآلت إلى الخراب نتيجة القبول بأوطأ العطاءات، لأن اللجنة لم تكن لديها معلومات حول كلف التنفيذ، أو إنها كانت تخشى التعبير عن الرفض لمقاول (دجال) يقدم عرضاً واطئاً ثم تبتلي المؤسسة ويتعثر العمل ثم يهرب المقاول، لا لشيء، إلا لأن اللجنة لم تكن على دراية، أو لأنها لم تمتلك الشجاعة للتصريح بأن العطاء الأوطأ هو العطاء الأسوأ.. بل إن الأجهزة الرقابية لم تترك للبلد ومؤسساته وموظفيه القدرة على تمييز الأفضل وتحديد صاحب التجربة والخبرة.. وحتى مبدأ (الدائرة غير ملزمة بقبول أوطأ العطاءات) لم يَعُد فاعلاً، لأن أحدا لا يستطيع المغامرة بمستقبله وحريته فيختار الأفضل، بل أصبح الاتجاه للكلفة الاوطأ مهما كانت النتائج. وبقية القصة معروفة..ومن أجل هذا، يحتاج موظفو الدولة الى دعم الاجهزة الرقابية التي تفحص أعمالهم، وان تتفهم مسيرة عملهم بالخطوات، لتوفر لهم الاطمئنان، وتكون الرقابة على نوع الأداء وقيمة الإبداع والاجتهاد فيه،والتمييز بين الفاسد والمجتهد، لان هذه المقالة لا تتناول الفساد، بل تتحدث عن عمل مرتبك ليس إلا. rnihsanshamran@yahoo.com
على هامش الصراحة :عقود النظافة

نشر في: 21 نوفمبر, 2010: 04:54 م







