حازم مبيضينيؤشر امتناع جنرالات الجيش التركي عن حضور الاحتفال الرسمي، الذي أقامه رئيس الجمهورية عبد الله غول مؤخراً، بمناسبة عيد الجمهورية، بذريعة مشاركة زوجته المحجبة خير النساء فيه، محاولة للتأكيد على تمسكهم بالنظام العلماني،
لكن هذا الموقف يدل على عدم احترام رئيس الأركان وبقية الجنرالات، ليس فقط للجمهورية ولا لرئيسها، بل أيضا لقائدهم الأعلى الذي هو رئيس الجمهورية، ويمكن بكل بساطة اتهامهم تبعاً لذلك، بالتمرد على رأس الدولة والقوات المسلحة في آن معاً.طبيعي أن يستفز موقف الجنرالات الرئيس، مع اعتباره بأن حفل الاستقبال المقام في القصر الجمهوري، يعكس حقيقة تركيا، وبحيث تمثلت فيه كافة الأطياف، ووحدهم المتنفذون من العسكر آثروا البقاء خارج الإجماع الوطني، ولهذا كان رد فعل قائد الحزب الحاكم رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان عنيفاً، وهو يؤكد أنه كان على العسكر أن يأتوا إلى حفل الاستقبال، مذكراً إياهم بواجباتهم البروتوكولية، التي تفرضها عليهم طبيعة المراكز التي يشغلونها، والوظيفة التي يشغلها من دعاهم لحفل الاستقبال، الذي لا يمكن تجاهله وإقامة احتفال رديف.نفهم أن العلمانية في واحد من وجوهها، تمنح للإنسان الحق في اعتناق الدين أو المذهب المتناسب مع ميوله، ولا تمنعه من أتباع تعاليم ذلك المذهب أو الدين، ولا تفرض عليه تفسيرها لذلك الدين، ولذلك يبدو مستهجناً موقف العسكر المثير للخجل، كما يقول الوزير السابق حسن غوزيل، كما انه يأتي في مرحلة تعود فيها تركيا إلى الوضع الطبيعي، وإذا كانت قرينة الرئيس تحدثت أمام البرلمان الأوروبي وهي ترتدي حجابها، ولم تواجه بردود فعل متشنجة من الذين نتوقع منهم ذلك، فإن على غلاة الجنرالات المتمسكين بالعلمانية، أن لا يحاولوا الذهاب أبعد من ذلك. على جنرالات تركيا فهم مغزى أن انتقادات موقفهم لم تأت من حزب العدالة والتنمية الحاكم فقط، لكنها امتدت لتشمل فئات علمانية كانت تؤيدهم، مثلما تؤيد حزب الشعب الجمهوري، الذي امتنع رئيسه عن حضور الحفل، ولعل الملفت للانتباه أن الكاتب السياسي محمد علي بيراند، المعروف بقربه من العسكر، علق على مقاطعتهم بالقول إن "العسكر يواصلون خوض معاركهم الخاسرة ويقولون لغول إننا لا نعترف بك، وهذا تمرد على القائد الأعلى وهم لم يبق لديهم أي تأثير". معتبراً أنهم يقولون لنا تركيا الخاصة بنا، ولهم تركيا الخاصة بهم". واصفاً سلوكهم بالخطأ التاريخي ومؤكداً أن المقاطعة لا تدل على القوة بقدر ما تؤشر على ضعف متزايد.ما نفهمه أن الجنرالات لا يمكنهم الوقوف ضد إرادة المواطنين، حتى وإن احترموا وجهة نظر حزب الشعب الجمهوري، لأنهم غير مخولين بالتعبير عن رؤى ذلك الحزب، بقدر ما هم موظفون في الدولة، يرتكبون خطأ الوقوف ضد مفهومها. وكان عليهم بحسب فهمنا لمناقبية الجيش، برمجة مناسباتهم تبعا لبرنامج رئيس الجمهورية، وهو الرتبة الأعلى، غير أن الواضح أن موقفهم يمثل ذهنية قرن بكامله، ابتدأ بالثورة على الخلافة، وأعطاهم حقوقاً ليست من حقهم، وهم اليوم يعبرون بعدم مشاركتهم في الاحتفال الذي أقامه قائدهم الأعلى بعيد الجمهورية، عن عدم احترام التغيرات وهم يخسرون بشكل متواصل. لا ندافع عن الحجاب، وإن كنا نحترم حرية السيدة التركية الأولى في ارتدائه، مثلما نحترم حرية الجنرالات في ظهور نسائهم سافرات، لكننا ندافع عن حق الدولة في احترامها واحترام رموزها، وهذا ما تقاعس عنه جنرالات تركيا وقد أخذ نجمهم بالأفول.
خارج الحدود :جنرالات علمانيون ومتمردون

نشر في: 21 نوفمبر, 2010: 05:15 م







