عبدالله السكوتيبالامس ودعت قرية الشيخ (احمود المغامس) رجلا عظيما كان رجل الكلفات والملمات، لقد رحل (اجحيّل) الى مثواه الاخير وسط الهوسات والعراضات التي قامت بها العشائر الاخرى من القرى المجاورة لقرية احمود المغامس، وعادت ذكريات الرجال بهم الى قرية (الهدّام) في ميسان والفيضان الذي حدث في احدى ليالي شتاء عام 1963،
والذي كاد ان يأتي على مخزون الشلب الذي يحاذي جرف النهر، فقد خزن الفلاحون الشلب في (بواري) والبواري تصنع من قصب الهور وتلف على شكل اسطوانة ثم تدعم وتفرش (بالبوه) وهي سيقان الحنطة، ثم تطيّن، وحدث الفيضان في منتصف الليل حين كان اطفال القرية في هدأة من نومهم بعد يوم مضن قضوه بين مدرسة العرفان الابتدائية والهور والشلب، حيث كانوا (بالدشداشة المقلمة) السنوية حفاة الاقدام، فنهضوا وسط صرخات النساء المملوءة بالتعب والترقب (ها اللولاد)، خائفات على بواري الشلب من الماء، فللشلب في حياة اهل قرية الهدام اهمية كبيرة فهو عصب الحياة والعملة المهمة المعتمدة حينذاك الملبّس وهو قطع الحلوى يحصل عليه الاطفال مقابل الشلب وملابس العيد مقابل الشلب، والطماطة مقابل الشلب (اي ان مقايضاتهم جميعها بالشلب)، فكان الخوف كل الخوف من تلف الشلب نتيجة انكسار جرف النهر، وكان جحيّل حينها يجوب ماء الهور بحثا عن السمك، فقد وضع جحيّل شباكه هناك في جهة الهور، فتناهت اليه اصوات النساء وصرخات استغاثتهن، فما كان منه الا العودة بزورقه الكبير (بلم الكلفات)، حيث يدعم هذا البلم بالقطن ومادة عازلة اخرى وهو زورق كبير لا يمكن ان يتسرب اليه الماء نتيجة احكام المادة العازلة فيه، فقام بعرض زورقه الكبير امام تيار الماء المتدفق بجنون بمساعدة بعض الرجال، حيث وضع قفا الزورق مقابل التيار في حين قام الرجال بتدعيم باطن البلم بالتراب الى ان سدّ جحيل مع الرجل ثغرة الماء، وكانت ليلة شتائية بطلها اجحيّل، من اجل هذا استقبل ابو موحان (عراضة) عشيرة مجاورة وهوّس: (اركع ثوب اخوتي طبع دوم الدوم اذا يبلى هدمهم كلبي افرشه اهدوم ابين الهم طريج العدل والملزوم تحرك سلف يا نار كلبي ها او ما بيها اجماله، اليمشي بيومه) فخرج مهوال العشيرة صاحبة العراضة فقال: (يدار العز هلج جاوين ماوين وانتي اللي الج مو ماو ماوين اشلون اتريدني اعلا الزين ماون على الزينين تحك الفين ونّه نبجي اعلا افعاله الزين الغرب) ودخل الرجال الى مجلس عزاء اجحيّل وهم يتذاكرون افعال هذا البطل، بطل قرية الهدام، من ثم بدأت العظة ان الرجال بافعالها وانها لا تحصد من هذه الدنيا الا الذكر الطيّب والتاريخ المشرّف، اما مغريات الحياة الاخرى فهي زائلة فانية، ولذا كان اتجاه الكلام باتجاه تضحية الفرد من اجل المجموع ومحافظته على ثقة الناس به خصوصا اذا كان من الشخصيات المؤثرة، وبعدها حضر السيد فابتدأ مجلسه بقول الشاعر: ان يوم الفراق قطّع قلبيقطّع الله قلب يوم الفراق ليعرج بهذا البيت وكما هو معروف في مجالس العزاء الى واقعة كربلاء، وليبكي وينعى في بداية الامر الامام الحسين، ويختار من ابيات الشعر ما يدمي القلوب ويجبر دموع الموجودين على الهطول بغزارة للصوت الشجي والكلام المؤثر.
هواء فـي شبك: (تحرك سلف يا نار كلبي)

نشر في: 24 نوفمبر, 2010: 07:55 م







