علي حسينأتابع مثل قراء كثيرين بشغف المقالات التي يكتبها شيخنا الصحفي الكبير خالد القشطيني في الزميلة (الاسبوعية) كون هذه المقالات تلامس الكثير من قضايانا الجوهرية باسلوب ساحر ورقيق، قبل أسابيع تحدث (ابو نائل) عن شخصية الشاعر ابي نواس وما احاطها من الطرائف واخبار المجون والتي امتلات بها الكثير من الكتب التي تناقلت سيرة هذا الشاعر الكبير،
ويبدو ان شيخنا القشطيني تناقل مثل غيره روايات كثيرة ارتبط فيها الخيال الشعبي بالواقع فصورت لنا الشاعر سكيرا يجوب الشوارع يحمل بيديه قنينة خمر، او متلصصا خلف الابواب يراقب هارون الرشيد ويعد عليه عدد جواريه، بل ذهب الخيال الشعبي إلى اكثر من ذلك حين جعل من أبي نواس نديما لهارون الرشيد، يلقي على اسماعه احدث الطرف، حتى اصدرت احدى دور النشر كتابا بعنوان الف نكتة ونكتة من أبي نواس، وكنت قبل سنوات مضت ارسم صورة للشاعر شبيهة للصورة التي رسمها استاذنا القشطيني لولا ان ظروف عملي وضعت أبا نواس في طريقي لاكتشف حقيقة الشاعر، فقد تم تكليفي من قبل اذاعة دبي في منتصف التسعينيات بكتابة عدد من المسلسلات الإذاعية عن الشعراء العرب فوقع اختياري على البعض منهم و كان ابو نواس أحدهم، لتبدا رحلة البحث عن حياة الشاعر، فقرات ماكتبه العقاد في كتابه الشهير "ابو نواس " وماكتبه طه حسين في حديث الاربعاء، لكن المتعة الحقيقية وجدتها في كتاب كتبه الشاعر الغنائي والصحفي المعروف " كامل الشناوي " بعنوان حديث مع ابي نواس هناك وجدت الصورة المغايرة، صورة شاعر بملامح اخرى نقيض لما نقرأ عادةً حول شخصيّته وثقافته، شاعر تصفه بعض كُتب التراث بانه:"أكثر الناس حياءً"، وكان راوية علاّمة؟! يوصف بأنه أعلم الناس وأكثرهم معرفةً بالأدب. وكان كذلك متّصلاً بحياة عصره الفكريّة، مطّلعًا على آراء الفلاسفة والمتكلّمين، متبحّرًا في العلوم اللغويّة والإسلاميّة؛ حتى قال الجاحظ- مع ما يُفترض فيه من أنه خصمه -: " ما رأيت أحدًا أعلم باللغة من أبي نواس، وأفصح لهجةً". وقيل: " كان أقلّ ما في أبي نواس قول الشِّعر، وكان فحلاً، راوية، عالمًا." ويصفه "ابن قتيبة" بأنه "كان متفنّنًا في العِلم، قد ضَرَب في كلّ نوعٍ منه بنصيب، ونَظَر مع ذلك في عِلم النجوم". وفي عِلم الطبائع، مستدلاُّ بمثل بيته: سَخُنْتَ مِن شِدَّةِ البُرودَةِ حَتَّى صــــــِرتَ عِندي كَأَنَّكَ النــــــــارُ!وشهد له كبار اهل العربية كالمبرد وكان يقول: " شعراء العرب ثلاثة امرؤ القيس وحسان بن ثابت وأبو نواس".هكذا وقعت على صورة جديدة غير تلك الصورة النمطية التي نفخت فيها المخيّلة الشعبيّة ما نفخت، حتى بات التوثّق من بعض نصوصها وأحاديثها أمرًا في غاية الصعوبة، غير أن مناقضتها لشواهد راجحة عن شخصيّة الرجل، ولشهادات متواترة فيه من معاصريه، تبعث على التوقّف عن التسليم بمثل هذه الحكايات، إنْ لم تبعث على الشكّ في صحّة بعضها والميل إلى أنها من وضع البعض، ممّن اتّخذوا أحاديث الفكاهة تجارة ورواية الطرائف وأخبار الظرفاء حرفة،، وربما كانت لهم من وراء تلك القصص، مآرب أخرى، كتلك المآرب السياسيّة والاجتماعيّة التي رأيناها تحوم حول شخصية أبي نواس. ولعل الدكتور بهجت الحديثي الذي اصدر نسخة محققة من ديوان أبي نواس تعد الاكثردقة وتصويبا، محقاً حين كتب في مقدمة الديوان: "لعبت المخيلة الشعبية دورا كبيرا في اضفاء طابع من المرح والسخرية على شخصية الشاعر الذي يعد واحدامن اكبر المجددين والمحدثين في تاريخ الشعر العربي". rnوللحديث بقية
العمود الثامن: بين أبي نواس و ابي نائل

نشر في: 28 نوفمبر, 2010: 07:14 م







