TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: عن ابن قتيبة ومستشاري الحكومات

قناطر: عن ابن قتيبة ومستشاري الحكومات

نشر في: 20 إبريل, 2024: 11:28 م

طالب عبد العزيز

دخلتُ مرةً على أحد المحافظين في البصرة، فوجدتُ عنده قرابة ثلاثين مستشاراً، كلهم قائم ببذلته، وتعلوه إمارة النعمة والكِبر، فحمدتُ الله على ذلك قائلاً: ستكون لنا حكومة قادرة على صنع مستقبل آمن لأولادنا!، لكنني حين حدثتهم بحديث المدينة وما يجب عليهم فعله،

لم أر بينهم من تنطبق عليه صفة المستشار، إنّما هم حفنة من المُقَوّطين، الوصوليين، أصدقاء المحافظ، المنتفعين به، الطامعين في استمرار ولايته، أما هو فقد كان الجاهل بينهم، لكنه المتفضل عليهم بالمعاش والرضا والعطايا، فأستعذتُ بالله منه ومنهم، فكان لنا منهم ما رأيناه ولمسناه.

كثيراً ما أكون عازفاً عن قراءة كتب الشعر والرواية والفنون، ذاهباً بكلكلي الى تصفح مدوّنات الاثر العربي، التي أجدُ فيها جرعةً رائقةً أتروّى بها من سغب ويبس ما سمعتُ وكتبتُ وقراتُ، فوقع في نفسي أمسِ قراءةُ مقدّمة كتاب (أدب الكاتب) لابن قتيبة الدينوري الكوفيّ (213- 276 هـ) وهو واحدٌ من أربعة كتب يقول عنها ابن خلدون:" سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفنِّ وأركانه أربعة دواوين". وذكر كتب الباقين (الكامل للمبرِّد، والبيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي). توقّفتُ عند زمانه، الذي كان يشكوه، من خراب ألسنة وأقلام الناس، وأكبرتُ فيه عنايته ودرايته، ففصوله تامةٌ، مستوفيةٌ. وهو كتابٌ في أربعة كتب، فكتاب في المعرفة، وثانٍ في تقويم اليد، وثالث في تقويم اللسان، ورابع في الابنية، وهو لعمري مصنَّفٌ لم يترك فيه لمستعمل اللسان والعقل والقلم حجةً.

ولأننا في معرض خراب إداراتنا فلن نتحدث في الورقة هذه عن فنون الكتابة في الشعر والرواية والنقد وسواها، لكننا سنتحدثُ عن جملة الوزراء والمستشارين من أصحاب الرأيّ والمشورة، الذين بيدهم حبال السلطة، ما تشابك وأنعقد منها، والتفَّ على أعناقنا منها، ومن تصدر عنهم القرارات، وتُقترحُ على السنتهم المشاريع، وكل ذلك مبنيٌّ على لغةٍ يجب أنْ تكون سليمة، صادرة عن رأسٍ عارفٍ، قادرٍ على وضع الامور في نصابها الصحيح، لكي تكون النتائجُ سليمةً، خاليةً من كلِّ عسفٍ وضرر. ترى أين نحنُ من قولته(ابن قتيبة) " رأسُ الخطِّ النقّطة، والنقّطةُ لا تنقسم" والكلام عنده أربعة: أمرٌ، وخبرٌ، واستخبارٌ، ورغبةٌ. ثلاثة لا يدخلها الصدقُ والكذبُ وهي (الامرُ والاستخبارُ والرغبة) وواحدٌ يدخلهُ الصدق والكذبُ، وهو الخبرُ. وكيف سيفهم مستشارو حكامنا قوله:" الفكرة آخرُ العمل، وأولُ العمل آخرُ الفكرة" والتي سيفسّرها بأنَّها مثل قول احدهم: إني صانعٌ لنفسي كِنَّاً. فوقعتْ فكرتُه على السقف، أي أنَّ ما يتبادرُ الى عقل السامع هو السقف! ففكرة الكِنَّ قائمة في الذهن على وجود السقف لا على وجود الحائط، الذي يرفعه، والحائط لا يقوم إلا على أسٍّ، والاسُّ لا يقوم إلا على أصلٍ، فالعمل يبدأ بالاصل، ثم الاسُّ، فالحائطُ، فالسقف.

سمعنا من وزراءَ ونوّابٍ ومسئولين في حكومات مابعد العام 2003 أفعلااً وأقوالاً لا ينبغي ان تصدر عن مسؤول، مثل الذي قال للرئيس بشار الاسد يومذاك(ضخامةَ الرئيس) والآخر الذي يرى بأنَّ الفرات يجري في مصر، وسفيرنا في إحدى الدول الذي يستقبل زائريه بالبيجاما وما الى ذلك.. وكل ذلك راجع الى جملة المستشارين الأميين، الذي لم يجلسوا في مكاتبهم بناء على درايتهم، ومعرفتهم، ولغتهم، وفكرهم إنما جلسوا عليها بحسب الاختيار الخاطئ لهم.

يقول الجواليقي، أبو منصور (465-540) بأنَّ محمد بن عبد الملك الزيّات كان قد تولّى قهرمة الدار(قهرمة= وظيفة) في خلافة المعتصم، الذي كان أميّاً، فوردَ كتابٌ على المعتصم من صاحب البريد بالجبل، يصفُ فيه خِصبَ السَّنةِ وفيه عبارة(كَثُرَ الكلأ) فقال المعتصمُ لأحمد بن عمّار كاتبِه: وما الكلأ؟) فقال: لا أدري!، فقال المعتصم:" إنّا لله وإنّا اليه راجعون، خليفةٌ أميٌّ وكاتبٌ أميّ" ثم قال: مّن يقرّبُ منّا كتاب الدار؟ فعرف مكان بن عبد الملك الزيّات فدعا به، قائلاً: ما الكلأ؟ فقال: النباتُ كلُّه رطْبه ويابسُه، ثم اندفع في صفات النبت. تذكرتُ أحدَ معلمي المدارس الابتدائية الذي سألني ذات يوم، قبل نحو من اربعين سنة عن معنى جملة(مات حتْفَ أنفه) فهاله ما سمع منّي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: ام كلثوم تستقبلني في المطار

 علي حسين ما ان هبطت بنا الطائرة القاهرة ، حتى وجدت ثلاثي النغم العظيم " ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ، يستقبلون زوار مصر المحروسة بابتسامة اطمئنان ، سألت رفيقي...
علي حسين

في متابعة ما يجري .. وفي فحص انتظاراتنا البائسة!

سهيل سامي نادر كنت قد كتبت مايأتي : "ها نحن بانتظار ما تسفر عنه اجتماعات الاطار التنسيقي لاختيار رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ومن ثم ننتظر حصول اتقاق على منصبي رئيس مجلس النواب...
سهيل سامي نادر

المالكي لرئاسة الحكومة بعد 12 عاما.. دورة كاملة للسياسة العراقية

د. اياد العنبر ‎ لطالما حاول فلاسفة السياسة، تفسير تقلبات أنظمة الحكم ‎في دورات التاريخ، واختلفوا في توصيف كيفية حدوثها. فأفلاطون كان يعتقد أن دورة أنظمة الحكم تسير بطريقة دائرية، أما مكيافيللي فكان يعتقد...
اياد العنبر

النكوص الرجعي في بنية الأحزاب العراقية

د. أمجد السوّاد لم تُنشأ الأحزاب السياسية الحديثة بوصفها تجمعات ولاء أو أطرًا قرابية، بل باعتبارها مؤسسات إنتاج فكر وسياسات تتفاعل مع المجتمع، وتحمل آليات للمساءلة والتجديد. غير أن التجربة العراقية لم تسلك هذا...
د. امجد السواد
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram