اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > عام > هوامش ثقافية

هوامش ثقافية

نشر في: 12 يونيو, 2024: 01:39 ص

جودت هوشيار

تولستوي ولغة العيون
لا شك في ان " الحرب والسلام " و " آنّا كارينينا " هما من روائع الأدبين الروسي والعالمي. ولكني أعتقد ان تولستوي بلغ ذروة الكمال الفني في روايته القصيرة " الحاج مراد "وكان هو شخصيا يعتز بها كثيرا، حتى وهو في أوج أزمته الروحية العميقة، التي هدّت كيانه في آخر المطاف. فهي رواية – رغم وضوحها الظاهري الخادع، أشبه بالجبل الجليدي العالم لا يظهر منه الى السطح، سوى جزء قليل، وما خفي وراء السطور كان أعظم مما هو مدون. وقد انشغل بها تولستوي لمدة ثماني سنوات (1896-1904)، إلى جانب أعمال أخرى، رغم أنها رواية قصيرة (نوفيلا). تقع في حوالي 200 صفحة. فقد أعاد تولستوي كتابة كل فصل من فصولها مرات عديدة، حيث تشكل مسودة الرواية 1266 صفحة (في الأصل الروسي).
استمتع بقراءة " الحاج مراد " المرة تلو المرة، وأكتشف فيها في كل مرة شيئا جديدا وجميلا، يمس شغاف القلب. استخدم تولستوي في رائعته الأخيرة، لغة العيون على نحو بارع، كما نرى في المشهد التالي مثلا:
" وعندما دخل الحاج مراد الغرفة الفسيحة، بمنضدتها الضخمة ونوفذها الكبيرة… ضم يديه الصغيرتين اللتين لوحتهما الشمس الى صدره تماما حيث يتراكب مقدم سترته البيضاء. ثم غض طرفه، وبدأ مستأنياً يتكلم في وضوح وإحترام. قال:
" أني أضع نفسي تحت حماية القيصر الأكبر، وتحت حمايتك، وأتعهد بأن أخدم القيصر الأبيض في ايمان وصدق الى آخر قطرة من دمي. وأرجو أن أنفعكم في محاربة شامل الذي هو عدوي وعدوكم ".
ولما ترجم المترجم بصوت مسموع، رنا فورونتسوف (القائد العسكري في القوقاز) الى الحاج مراد، ورنا الحاج مراد الى فورونتسوف. والتقطت أعين الرجلين وتبادلت التعبيرعن أبلغ مما يستطاع صوغه في كلمات. ولم يكن هذا قط ما قاله المترجم، فقد قال كل منهما لصاحبه الحقيقة جميعاً بغير لغة الكلام:
قالت عينا فورونتسوف انه لم يصدق كلمة واحدة مما كان يقوله الحاج مراد. وانه يعلم بانه (الحاج مراد) كان – وسوف يكون دائما – عدوا لكل روسي، وبأنه لم يذعن الا مكرها. فهم الحاج مراد هذا، واستطرد مع ذلك يؤكد ولاءه. وقالت عيناه: " كان ينبغي لهذا الرجل العجوز ان يفكر في وفاته لا في الحرب، وهو داهية رغم شيخوخته، وعليّ أن اكون حذرا ". وفهم فورونتسوف هذا ايضا، ولكنه مع ذلك تحدث الى الحاج مراد بالأسلوب الذي حسبه ضروريا لكسب الحرب
لعبة الغموض
الغموض في الكتابة الأدبية نوعان: أحدهما ناجم عن الكسل والإهمال عندما لا يجهد الكاتب نفسه بالتفكير من اجل التعبير عن أفكاره بوضوح، والآخر متعمد ومقصود لأن أفكار الكاتب مشوشة وغير واضحة وهو لا يستطيع أن يكوّن في ذهنه تعبيرا دقيقاً عنه، فتأني كتاباته غامضة، أي أن الغموض في التعبير ناجم عن الغموض في التفكير.
ثمة اعمال ابداعية تتسم بقدر من التعقيد - مثل بعض أعمال جيمس جويس وخاصة رواية " يوليسيس، وموجهة للنخب الثقافية التي تمتلك ذائقة جمالية رفيعة، وهي اعمال يفهمها كل قاريء حسب وعيه وثقافته وادراكه لمضامينها واحساسه بجمالياتها. أي أن ثمة مستويات عديدة للفهم والاستيعاب.
هذه الكتابات المعقدة، يختلف عن الغموض المتعمد، الذي ليس وراءه أي ابداع أو أفكار. ويهدف الى التغطية على البؤس الإبداعي. وصفوة القول أن ثمة فرقاً بين التعقيد الناجم عن عمق الأفكار والمشاعر، والغموض المتعمد لمن ليس لديه ما يمكن أن يعبّر عنه بوضوح

عرف غائب عن حياتنا الثقافية
من الأعراف الثقافية الرائعة في الغرب وكذلك في روسيا، هو إحياء ذكرى كتابها وشعرائها وفلاسفتها ومفكريها الكبار، وغيرهم ممن اسهموا في بناء الصرح الثقافي والفكري في بلدانهم. وإعادة طباعة ونشر مؤلفاتهم الكاملة مع رسائلهم ويومياتهم، وما تحتفظ به أرشيفات الدولة من وثائق تتعلق بهم. ونشر كتب عن ذكريات أقاربهم وأصدقائهم ومعارفهم. والأهم من ذلك، هو كتابة أطروحات علمية عن كل واحد منهم. وثمة اليوم عدد كبير من الباحثين المتخصصين في أعمال هذا المبدع أو ذاك, ثمة جيش من المتخصصين في أدب شكسبير أو ديكنز أو جويس أو اورويل أو اليوت أو فلوبير أو موباسان أو ماركيز أو بوشكين، أو جوجل، أو تولستوي، أو دوستويفسكي، أو تشيخوف، أو أخماتوفا أو تسفيتايفا، أو يسينين أو ماياكوفسكي… والقائمة تطول.
متى تهتم دور النشر في بلادنا بنشر المؤلفات الكاملة لكبار أدبائنا ومؤرخينا وفلاسفتنا. ومتى تبادر جامعاتنا بأجراء البحوث عنهم. ومن يبحث و ينشر رسائلهم ويومياتهم. وأين هي ذكريات أقاربهم وأصدقائهم ومعارفهم، التي تلقي مزيدا من الأضواء على حياتهم وابداعهم. أن الأهتمام بهذا الجانب الفكري والروحي من علامات الرقي الحضاري.

الرواية جنس ادبي مرن وخادع
من محاسن الرواية انها جنس ادبي غير مكتمل، ودائم التغيّر والتطور شكلا ومضموناً، ولا تستقر على صورة واحدة أبداً. الرواية تتقبل كل شيء، وكل ما يخطر على بال الكاتب الروائي، وكل ما يقتبسه من هنا وهناك (السيرة الذاتية أو الغيرية، المذكرات الشخصية، اليوميات، الرسائل، الوثائق الرسمية وغير الرسمية، مقتطفات من الصحف والمجلات، ومواقع التواصل الاجتماعي). ولكن هذه المرونة العظيمة، القادرة على استيعاب وهضم كل شيء، تتحوّل الى مثلبة، عندما لا تتوافق الاقتباسات مع سياق الرواية وحبكتها، ويفشل الروائي في توظيفها على نحو فني، وتبدو نشّازة ومقحمة على النص، أو مجرد ثرثرة مملة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

320 شهيداً ومصاباً "حرقاً" خلال 48 ساعة بأسلحة "محرمة دولياً" في غزة

الانبار.. قوات الحدود تطيح بمتهم بحوزته عشرة آلاف حبة مخدرة

التنسيقي يعلق على تعيين عُماني كمبعوث جديد لـ"يونامي" في العراق

الديوانية تعطل الدوام الرسمي يوم الخميس المقبل

برشلونة يتلقى ضربة قوية ويفقد نجمه 4 أشهر

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التقدم والنمو في قرننا الحادي والعشرين

بعد ثلاثة عقود .. عباس الكاظم يعود بمعرض «خطوات يقظة» في الدنمارك

مذكرات محمد شكري جميل .. حياة ارتهنت بالسينما

بيتر هاجدو والسرد الصيني

نص: في هذه العزلة المرّة

مقالات ذات صلة

بعد ثلاثة عقود .. عباس الكاظم يعود بمعرض «خطوات يقظة» في الدنمارك
عام

بعد ثلاثة عقود .. عباس الكاظم يعود بمعرض «خطوات يقظة» في الدنمارك

ثائر صالحيعود الفنان عباس الكاظم (1954) بعد ثلاثة وثلاثين سنة إلى موقع أول معرض أقامه في الدنمارك سنة 1991، وهو جناح القصر الملكي في مدينة روسكيلده العاصمة الدنماركية القديمة. واختيار هذا المكان لمعرضه الأخير...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram