اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > عام > استعادات من صيف لندني

استعادات من صيف لندني

نشر في: 12 يونيو, 2024: 01:40 ص

لطفية الدليمي
ليس مِنْ مدينة أوروبية مثل لندن عاصمة الامبراطورية التي غابت عنها الشمس، مدينة أحلام سكان المستعمرات، هي المدينة الأكثر ألفة وحميمية - رغم كآباتها العريقة - من بين مدن القارة؛ فلا تماثلها باريس ولا بون أو بودابست أو فيينا باستثناء مدريد الجميلة، ربما لانعدام حاجز اللغة. لندن الكئيبة العتيقة المزدحمة المضببة الحنون والقاسية تخرج من تعاليها الكولونيالي برهة براغماتية لتحتضننا نحن أبناء المستعمرات القديمة وسوانا من قارات الأرض كلها، بدت لنا في ذلك الزمن أمّاً رؤوماً تغدق علمها وآدابها على عُشّاق لغتها.
من ال British council في بغداد رُشّحْتُ صيف 1978 لدورة في آداب اللغة الانكليزية في بريطانيا وكانت المرة الثانية التي أزورها فيها. كانت الدورات تقام عادة في كلية غولد سمث - جامعة لندن في منطقة لويشام – نيو كروس، وهي كلية عريقة معنية بالدراسات الابداعية والثقافية تتبع جامعة لندن.
مبنى الكلية الكلاسيكي العتيق من الطراز الانكليزي مشيّدٌ بالآجر الأحمر وقد طُلِيَتْ أطر النوافذ باللون الأبيض وتحيط المبنى مروجٌ خضراء زمردية كجميع المروج الانكليزية التي تسرُّ الروح وتمنح المرء فرصة الاغتسال من الجو الرمادي المكفهر في المدينة، يكسو المبنى نباتُ اللبلاب الانكليزي فيصبح المرء في عالم نضر من الخضرة اليانعة التي تكتمل فتنتها بوجود المروج الشاسعة و أشجار الكستناء العملاقة على مسافات متباعدة. كنّا نفترش المرج في أوقات الراحة أو نلعب الكرة الطائرة، أو ننفرد لقراءة رواية لِـ (آيريس مردوخ) أو (وليم غولدنغ) أو نناقش أحد الدروس أو نختلي في مكتبتها العريقة.
شملت المحاضرات الأدب والنحو والمحادثة، وكان من ضمن مناهج الدورة أن نناقش مسرحيات لـ (توم ستوبارد) وقد ألقى علينا ستوبارد محاضرة ممتعة في فن الدراما، ومن مقررات الدروس توجّب علينا قراءة رواية دوريس ليسينغ (العشب يغني The Grass is Singing) ومعها (الأمير الأسود The Black Prince) لأيريس مردوخ، و (سيد الذباب Lord of the Flies) لوليم غولدنغ ومقطعات من الارض اليباب The Waste Land لأليوت وبعض قصائد وليم بليك وشكسبير.
كنّا طلاباً كوزموبوليتانيين – عالميين - من أعمار مختلفة: كهول وعجائز وشباب ومتوسطي الاعمار، من جهات الدنيا كلها، من أميركا اللاتينية والمكسيك واليابان والهند وصقلية وفرنسا وألمانيا، وكم كنا نشبه أبطال مسلسل (Watch Your Language)؛ فاليابانيون مولعون حدّ الإدمان بكامراتهم التي تتدلى على صدورهم، والايطاليون منشغلون بإغواء الفتيات الجميلات، والافارقة - وبعضهم أبناء وزراء وقادة دول - معنيون بإبراز ثرائهم في الثياب والحلي والتزين المبالغ به، أمّا الهنود فكانوا منشغلين بتعديل نطقهم المتماوج للغة الانكليزية في حين كانت السيدات القادمات من كولومبيا وصقلية والبرازيل حريصات على الدرس وتعلّم المزيد من لغة شكسبير.
كان الانتماء إلى جامعة لندن كمثل معجزة سحرية؛ فقد احتفت إدارة كلية غولد سمث بنا وعرّفتنا إلى أهم موائل الثقافة في بريطانيا: جامعة كمبردج ومدينة ستراتفورد أبون آفون حيث منزل شكسبير ومسرحه الملكي، كما قمنا بزيارة لمبنى البي بي سي و كنيسة وستمنستر. العالم يمنحنا - نحن الغرباء - بعضاً من هبات البلاد الكولونيالية إذ صادف الاحتفال بذكرى الكاتب والشاعر توماس هاردي الذي دُفِنَ رماده في ركن رواق الشعراء والكُتّاب الانكليز العظام ممّنْ حُفِرَتْ أسماؤهم على قطع رخام تمتد على أرضية الرواق المهيب تحت الثريّات العملاقة في الكنيسة العتيدة. قيل لنا أن قلب توماس هاردي دُفِنَ في كنيسة القديس مايكل في ستانسفورد مع زوجتيه إيما وفلورنس، رقد جسده بلا قلب مع رفاقه العظماء: تشوسر وتشارلس ديكنز وروديارد كبلنغ وايرفنغ وتنيسون وأودن ووليم بليك وشارلوت برونتي و آخرين. تساءلت: كيف سيحيا الشاعر في خلوده دونما قلب؟
كان يوم الاحتفال بذكرى توماس هاردي مميزاً لكونه يُقامُ في كنيسة ويستمنستر آبي وقد إحتشد أعضاء جمعية أصدقاء هاردي ومحبوه ووزّعوا على الحضور كتيبات صغيرة عن حياته وأعماله مع شارات بدبابيس عن الذكرى، ووضعوا أكاليل الزهور على نصبه التذكاري في ركن الشعراء. بعد الاحتفال إشترى الزوار بعض روايات هاردي بطبعات أنيقة تناسب الذكرى المهيبة للروائي الكبير.
ستراتفورد أبون آفون
قبل يوم من زيارة ستراتفورد أبون آفون، مدينة شكسبير، أمضينا دروس الصباح ومناقشات المساء مع سونيتات شكسبير. كانت المس غريتشن المتخصصة في أعمال شكسبير قد أحضرت أوراقاً استنسخت فيها أشهر سونيتات شكسبير عن الجمال ووزّعتها علينا وحدّثتنا بأسلوبها الشيق عن أصل السونيت الذي يرقى إلى بترارك الايطالي، ثم جعلتنا نقرأ السونيتات الأولى ورافقتنا بالعزف على البيانو وهي تؤكد على أنّ السوناتا هي الأغنية الصغيرة. عندما قرأنا السونيتات المختارة عادت المس غريتشن لتحدّثنا عن أهمية السونيتات بين أعمال شكسبير المسرحية؛ فهو شاعر عبقري قلّد سونيتاته عددٌ كبير من شعراء القرون اللاحقة: ميلتون وجون دَنْ وغيرهم. حينها كانت تستعصي عليّ مفردات كثيرة من اللغة الشكسبيرية؛ فهي انكليزية القرن الخامس عشر الكلاسيكية، عند انتهاء الدروس وقد تشبّعْنا بالسونيتات أعلنت السيدة غريتشن أنّها ستصحبنا في الغد إلى ستراتفورد أبون آفون - مدينة شكسبير، طوال الطريق كانت تسهب بالحديث عن أعمال شكسبير لكنّي كنت منشغلة عنها بالتمتع بمناظر الريف البريطاني المبهرة وأنا أبرّرُ لنفسي أنّ الجمال العابر في اللحظة المُغادَرة أثمنُ من قراءة نص شعري سيكونُ في متناول أيدينا متى شئنا.
الريف هاهنا منفتحٌ ومضيء، يكلّله ضبابٌ رقيق أشبه بفستان موسلين أبيض لعروس لامرئية. ثمة في المروج أبقار مبقّعةٌ وبوّابات مزارع موصدة وظلال سخية تحتضن الطرقات.
كان علينا مجتمعين أن نزور مسرح شكسبير الملكي ومسرح البجعة ومؤسسة شكسبير التي تضمُّ مخطوطات شكسبير وأعماله ولكننا لم نحظَ بزيارة معهد شكسبير؛ فاليوم يوم عطلة.
فتحوا باب منزل شكسبير، تجوّلْنا في غرفه وردهاته مع صرير الأرضيات الخشبية ورائحة زيت التربنتاين والإضاءة الخافتة، وما أدهشني أنّ اثاث المنزل كان بمقاسات اصغر من المألوف في زمننا. يبدو خلال الستمائة عام الماضية أنّ حجوم البشر قد تغيرت، ومعها تغيّرت سحناتهم ومصائرهم وأحلامهم أيضاً، وكان لابد أن نشتري زهوراً لنضعها على قبر شكسبير في باحة كنيسة الثالوث المقدس قبل أن نختتم المزارات المهمة بمتحف ناش.
لم تبهرني المنازل ذات الطراز القروسطي البريطاني ولم تعنِ لي شيئاً أنواعُ التذكارات التي يعتاش على تجارتها نصفُ سكان ستراتفورد من باجات وقمصان ومطبوعات لملخصات المسرحيات وبوسترات العروض الشكسبيرية والخواتم والأكواب والاطباق التي تحمل صورة شكسبير وأبطال مسرحياته، مابهرني أكثر من سواه مبنى مسرح شكسبير الملكي المطلّ على حدائق بانكروفت مثلما سحرني نهرُ آفون الذي وجدته نهراً فردوسياً كتلك الانهار التي تتوسط لوحات تيرنر وجورج فروست وفريدريش والفنانين الرومانتيكيين.
لاترى في نهر آفون سوى أسراب الإوز الأبيض تسبح جيئة وذهاباً وعلى ضفافه ثمة قصائد منسوجة من آلاف الزهور: الزنبق والنرجس والورد. إشترينا فطائر التفاح الانكليزية التقليدية المعطّرة بالقرفة وتناولناها مع أكواب الشاي التي تُباعُ في الكافيهات الصغيرة المحيطة بالساحة، وواصلنا استكشاف العوالم الشكسبيرية؛ إذ وجدتُ دكاناً يعرض ملابس المسرحيات الشهيرة: أردية الليدي مكبث وعباءة هاملت، وتيجان هنري الثامن ومجوهرات كليوباترا ووشاح جولييت و صدار عطيل الجامح وقلادته.
في اليوم التالي إستعادت المس غريتشن معنا سونيتات شكسبير وهي تعزف على البيانو:
أيها الجمال الذي خبت فتنته، علام كنت مسرفاً
حين أنفقت على نفسك ميراث حسنك؟
الطبيعة لاتورِثُ أحداً شيئاً لكنها تزيد وتضفي
ولكونها كريمة معطاء فهي تضفي زادها على أؤلئك الكرماء..
كان معنا تلميذٌ في الثلاثين من سانتياغو تشيلي محط انظار الجميع لغرابته وهشاشته وكأنه شبيه الفتى اليافع في رواية(الموت في البندقية) لتوماس مان؛ كان تجسيدا للجمال الهش الفاني الذي تحدّث عنه شكسبير وترنّمت به معلمتنا.
كامبريدج
تسحرني المدن التي تغفو على همهمات نهر وتنعكس على نهرها زرقة السماوات وتشكّلات الغيوم ورعشة النجوم. هاهو وسط مدينة كامبريدج العريقة يتماوج نهر (كام) الرقيق الحنون المحاط بالمروج الخضراء وأنواع الزهور، تمرق فيه القوارب الصغيرة بالمجذافين المتناغمي الحركات، وعن بُعْدٍ تطل عليه مباني جامعتها العتيدة شبيهة الكاتدرائيات. إستقبلَنا أحدُ أساتذة (كلية الملك) واجتمع بنا في إحدى القاعات التابعة لكنيستها. رهبةُ القاعات الواسعة واللوحات العتيقة، وسقوف القاعات المرتفعة وقناديلها الزيتية القديمة وأبراجها الشبيهة بأبراج كنيسة ويستمنستر تحيلك الى القرون الخوالي يوم تأسست أول بذرة للجامعة منذ أكثر من 800 سنة.
كانت القاعة فيما مضى تابعة لأحد الأديرة، مصاطبها من الخشب الخام غير الصقيل صنعه الرهبان وتركوا آثار صلواتهم وآهاتهم ظلالاً على الجدران وهاهي تُستخدَمُ الآن قاعة للطعام يؤمها طلبة الأقسام الداخلية لكلية الملك.
رافَقَنا مدرّسُنا لمادة النحو المستر كامبل: النسخة الأصيلة للشخصية الإنكليزية المنضبطة التي ترى في انكلترا سيدة العالم وثقافتها هي الأرقى، كلّ برهة كان المستر كامبل يبدل نظارتيه ويقرأ الارشادات، أخذَنا إلى غرفة نيوتن حيث كان العالِمُ الفيزيائيّ يعمل ويجري تجاربه، وثمة غرفة اللورد بايرون أيضاً. قادنا تحت زخات المطر الناعم إلى بوابة نيفيل لندخل إلى أجمل وأعرق كليات كامبريدج (كلية ترينتي Trinity College) واستقبلَنا موظفُ العلاقات أو الاستقبال وكان فخوراً وهو يحدثنا عن تاريخ الكلية والجامعة، وقال بزهو كبير أن معظم الحائزين على جائزة نوبل في العلوم - الفيزياء و الكيمياء بخاصّة - هم من خريجى وأساتذة جامعة كامبريدج.
من بين الطلبة كان ثمة عاشقان إقترحا على أستاذ النحو مستر كامبل أن يصحبنا إلى جسر التنهدات، تبين أنهما ايطاليان وشاءا أن يخبرانا بأن الجسر الجميل على نهر كام ماهو إلا تقليدٌ لجسر موجود في فينيسيا، ثم علمنا أنّه جسر كان يعبر عليه المحكومون بالاعدام في محكمة سنت جون، وعلى هذا الجسر كانوا يطلقون تنهدات خسران الأمل والحياة معاً. شتان مابين تنهدات العشاق في فينيسيا وتنهدات الذاهبين إلى حتوفهم، جسر للعشاق وجسر للموت، تنهيدة عاشق وحسراتُ رجل موشك على مغادرة الحياة.
لم تُتَحْ لنا فرصة زيارة متحف كامبريدج؛ فقد هطلت أمطار غزيرة وقرر المستر كامبل العودة بنا إلى لندن قبيل الغروب لكنّ هيبة ورهبة جامعة كامبريدج وتنهّدات البهجة رافقتنا طوال طريق العودة إلى كلية غولد سمث فتوزّعنا بين مروج حدائقها وشجر الكستناء المعمر في فنائها الخلفي استعداداً لتناول عشائنا المملّ في قاعة الطعام المشبعة بروائح المقليات وزناخة اللحوم المقددة، وهاهو العشاء التقليدي البارد: قطعة الستيك نصف الناضجة التي تنضح دماً مع البطاطا المهروسة وقطع الجزر وقطعة خبز أبيض باهتة.
كان اليوم الأخير مخصصاً لصورة جماعية يصوّرُها مصوّرٌ محترف إستطاع أن يجمع نحو أربعين شخصاً في لقطة واحدة فيها أناسُ القارات كلها تحت شمس لندن الخجولة والناسُ وقوفٌ في مرج كلية غولد سمث تؤطّرُهُم جدران المبنى العتيق المكسوّة باللبلاب الانكليزي وحسرات المغادرين إلى بلدانهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. حسن بُوحجي

    منذ 4 أسابيع

    ما أروع جمال وصفك لرحلتك إلى بريطانيا العظمى، وجمال الطبيعة الإنجليزية، وأستعراضكِ المميز لكل معارفك عن المفكريين والأدباء والشعراء أماكن إبداعاتهم وإكتشافاتهم،،، وجامعاتهم العريقة،،، شكراً سيدتي المتميزة، على هذه الجولة الثقافية الممتعة والمفيدة....

يحدث الآن

320 شهيداً ومصاباً "حرقاً" خلال 48 ساعة بأسلحة "محرمة دولياً" في غزة

الانبار.. قوات الحدود تطيح بمتهم بحوزته عشرة آلاف حبة مخدرة

التنسيقي يعلق على تعيين عُماني كمبعوث جديد لـ"يونامي" في العراق

الديوانية تعطل الدوام الرسمي يوم الخميس المقبل

برشلونة يتلقى ضربة قوية ويفقد نجمه 4 أشهر

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التقدم والنمو في قرننا الحادي والعشرين

بعد ثلاثة عقود .. عباس الكاظم يعود بمعرض «خطوات يقظة» في الدنمارك

مذكرات محمد شكري جميل .. حياة ارتهنت بالسينما

بيتر هاجدو والسرد الصيني

نص: في هذه العزلة المرّة

مقالات ذات صلة

بعد ثلاثة عقود .. عباس الكاظم يعود بمعرض «خطوات يقظة» في الدنمارك
عام

بعد ثلاثة عقود .. عباس الكاظم يعود بمعرض «خطوات يقظة» في الدنمارك

ثائر صالحيعود الفنان عباس الكاظم (1954) بعد ثلاثة وثلاثين سنة إلى موقع أول معرض أقامه في الدنمارك سنة 1991، وهو جناح القصر الملكي في مدينة روسكيلده العاصمة الدنماركية القديمة. واختيار هذا المكان لمعرضه الأخير...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram