لطفية الدليميقال الشاعر الأميركي ايمرسون : كل كتاب يُحرَق يضيء عالمنا ، ارد على مقولته بعبارة مغايرة : كلما ولد كتاب غمر الضوء عالمنا .. كل مكتبة فردوس لأرواحنا وعقولنا بعض كتبها تتكفل بإلغاء الزمن او تقطفه لنا كفاكهة محرمة أو تضعنا على حدود المطلق ، بعضها الآخر يصير مادة مسكرة وينطفئ كما الومض في دمنا ،بعضها نصحبه كتميمة للقلب المستوحد ، سواها تصير تعويذة الزاهد أو تغدو وطن الغريب المكتفي بوهج العبارة ،
الكتب لها شذاها ونبضها ومن تعاقب الاعوام يتكثف عبقها الخفي الذي يتشهاه عشاق القراءة ويفتتنون بأنفاسه الغبارية ، ندرة من الكتب تحيا مثل كائنات حية فبعضها كالشجر راسخ ومتجدد تتفتح نعمته لدى كل قراءة وبعضها خفيف محلق كالطير و منتشٍ بموسيقى اللغة وهناك كتب كالموج تدفعك إلى الأعماق أو تلقي بك على شطآن الوحشة وكتب نضرة كالربيع ، بعضها كائنات كتوم تنطوي على أسرارها وتراودنا على المعنى ، الكتب الآتية من ضفة الاختلاف تتعرض لكراهية الجهلاء و سفاهة المؤولين وبطش المستبدين ، بعض الكتب يزدهر – وإن كان بلا قيمة - عندما يحظر ويمسي تداوله هوسا وتجارة ، حشد من الكتب العتيقة يعاد الآن إلى واجهات القرن الجديد ويهب كجائحة تعاليم ذكورية تفضح الشبق المتواري تحت عباءات التقى وتقنن الحب وتفاصيل الحياة بمسطرة التحليل والتحريم ، بعض الكتب مكرسة لتحطيم الوصايا و تمزيق الحجب وهناك كتب بكماء تعوزها بلاغة التواصل سرعان ما تذوي في النسيان ، و كتب مباركة كخبز النذور تلهمنا سنن البقاء وكتب تسري كلماتها فينا كلقاح مخصب ،وثمة كتب تحرضنا على ترويض الأحزان ، مذاقات الكتب تتباين وتتعدد وتتنافر وقد تتخالط فنلتهمها ونتلذذ بنكهاتها السحرية ، فكأن المكتبات ولائمنا المقدسة ،نقطف من موائدها الملغزة المتع والري أو نجترح رؤى لخطوتنا التالية ،وهناك كتب شعر تمطرنا بالنجوم وكتب عشق تفوح بالوعود ، وكتب تعلي سلطة العقل و أخرى تسقينا ترياق الآمل ، كتب وكتب وكتب تملأ خزائن بيوتنا وقاعات المدن وجامعاتها وأسواقها وتنشر بهاءها بين الناس بأسرع مما تشيع تعاليم المستبد أو فتاوى المتشدد وإزاء ذلك البهاء الذي تسفحه الكتب على حياتنا، يتكاتف الجهلة و المستبدون لإدراكهم خطورتها ويجندون لدمارها جيوش النار وجحافل النهابين. المكتبة الوطنية الفرنسية بعد يومين من تفجير شارع المتنبي في 2007 زرت المكتبة الوطنية الفرنسية ( الناشيونال بيبلوتيك) التي تتكون مبانيها من أربعة ابراج ارتفاع كل برج ثمانون مترا بثمانية وثلاثين طابقا وهي بتصميمها الفريد تمثل صرحا ثقافيا يتميز بالحداثة بعد متحف اللوفر الكلاسيكي ، صمم المباني والحدائق والفضاءات و قطع الأثاث والأبواب والإضاءة المهندس الفرنسي ( دومينيك بيرو)، ويمثل كل برج من الأبراج الأربعة كتابا مفتوحا بشكل زاوية قائمة تنفتح على فناء المبنى الواسع الذي يبدو مثل مستطيل مغلق تتوسطه حدائق في مستوى منخفض فكأن المشهد يطل من اعالي جبل على واد سحيق، صمم الحدائق المهندس ذاته كغابة طبيعية وجلب أشجارها من إقليم النورماندي واوجد لها بيئة مشابهة لغابة (فونتبلو) تتوسط بخضرتها واشذائها مباني المكتبة التي تفوق مساحتها ميدان الكونكورد اكبر ميادين باريس وتبلغ مساحتها الكلية مع الطوابق ٍسبعة هكتارات .. وتحتل مخازن الكتب احد عشر طابقا من العمارات الأربع ،بينما خصصت سبع طوابق للإدارة. وتضم (خمسة عشر مليون كتاب) بمعظم اللغات الحية ومنها اللغة العربية .وقد خصص البرج الأول للجغرافية والتاريخ والبرج الثاني للسياسة والقانون والثالث للعلوم العامة والتقنية والرابع للفنون والآداب.. يضم قسم الآداب والفنون أربع قاعات كبرى تغطي اللغات والآداب والفنون وتاريخ الكتاب والمكتبات والصحافة وهناك قسم للكتب الثمينة النادرة يضم نحو مائتي ألف مجلد اختيرت لقيمتها وندرتها من جميع الحقب الحضارية ويؤم المكتبة كل يوم نحو ستة آلاف زائر.. ولان الثقافة – كل ثقافة لا تزدهر وتتجدد الا في بيئة حية وفي إطار جمالي وحضاري ساحر ، فان قاعات المكتبة الوطنية الفرنسية تتزين بقطع فنية حديثة لأعظم فناني فرنسا المعاصرين من لوحات وتماثيل ومنحوتات من الفن الحديث ،ولأجل خلود المبنى وديم
قناديل: كلما ولد كتاب غمر الضوء عالمنا.. والمكتبات ولائمنا المقدسة

نشر في: 18 ديسمبر, 2010: 05:38 م







