عبدالله السكوتيابتدأ الشيخ (احمود المغامس) حديثه بالتعريض بالمحتالين ممن يقومون بسرقة اموال الشعب، دون ان يذكر اسما معينا، وكان احمود المغامس يستعين بالحكاية الشعبية لطرح فكرة معينة، وهذا الامر درج عليه كثير من شيوخ ووجهاء العشائر، بشرط ان يكون لكل حكاية رابط يربطها بالواقع المعيش، وبعض الاحيان تكون الحكاية عصية الفهم، مايضطر الشيخ الى ايضاح الافكار الواردة بكلمة او اشارة، المهم (تنحنح الشيخ) فانتبه اليه الحاضرون فقال: ان فلاحا اخذ خروفا الى المدينة كي يبيعه،
وكان ان جمعه الطريق مع محتال فاتخذه صاحبا، بعد ان تظاهر المحتال بالغباء وعدم المعرفة والخوف، وكان طريقهم يمر على مزارع متعددة، فكان (الدرّاج) يطير من بين ايديهم، والدراجة نوع من الطيور الحمقاء، فهي لاتطير عند سماع خطوات من يمر بقربها، اوتتظاهر بعدم السمع لكسلها، وحين يصبح المار قريبا بخطوة او خطوتين منها، تفر هاربة، فكانت كلما طارت (درّاجه)، يفر المحتال ويستجير بالرجل وهو يصيح: (يمّه اجه الفر) والرجل يضحك من هذا الابله، وتكررت الحالة، حتى وصل الثلاثة الى نهير يحتاج في عبوره الى قارب، ووجدا قاربا لايتسع لاكثر من اثنين، فتبرع المحتال بان يعبر مع الخروف ويربطه في الجانب الآخر، ثم يعود ليصطحب الرجل، فوافق الرجل على الاقتراح، حاسبا انه سيزداد ضحكا على الابله، فقاد المحتال القارب الى الشاطئ الآخر بمهارة عالية، ثم تقدم الى الخروف ورفعه في حضنه، فجن جنون الرجل وهو يصيح: (ولك اجاك الفر)، يريد ان يفزعه، والمحتال يرد عليه: (اعرفها درّاجه). فضحك الفلاحون، وارتفع صوت جامن:(هسّه شنهي امحفوظ ياهو الحرامي وياهو صاحب الخروف المسكين)، فرد الشيخ قائلا: (اسمع ابو موحان، اتعرف بعد الصار، اهواي ناس طفرت، او طفره جبيره، او صارت ابمناصب او مراتب، او هيّه لامن ذول ولامن ذولاك، كل اللي سوّوه ركضوا ويّه ليركضون، اوداعتك جانوا ايسلمون على الدرهم مايرد السلام عليهم). خرجت من مضيف الشيخ وانا افكر بهؤلاء الذين اثروا على حساب تجربة كنا بانتظارها منذ زمان طويل، وحين تأتي الفرصة حتى ابوابنا نتركها للجهلة واللصوص، يمصون رحيقها وينحرفون بها كيف شاؤوا، والمتفرج هو المسرح المكتض بمن يقول (آني شعليّه)، لتكون النتيجة حسرة وحرقة على ما آلت اليه الامور عند من لايفرق بين الاعتصام السلمي والعمل المسلح، ويعامل الاثنين بنفس الاسلوب ويشهر عليهم السلاح نفسه، كل الذي حدث وما حدث يحتاج الى المراجعة، وبعد فبعض الشخصيات تحتاج الى المتابعة لانها ربما تضمر شرا بالتغيير، وتسعى جاهدة للعودة بالناس، ولذا نلاحظ ان بعض الاصوات بدأت ترتفع فهي تشعر بالقوة وتلعب على وتر حساس لدى الشعب استغلته استغلالا ربما يكون سيئا، ليتم عزل المثقفين ومن ثم طردهم خارج الحدود بعد المضايقة والتهميش ليبقى البيت (لمطيره). ان اشكالية المثقف والسياسي اشكالية قديمة، وهي تحتاج الى وقفة موسعة نستطيع من خلالها ان نبين ان المثقف طالما يصنع الثورة فيسرقها السياسي لانه يمتلك المسوغ، والمثقف غالبا مايتحمل اعباء كبيرة، كما تحمل في زمن النظام السابق، شرّد الشاعر والروائي والصحفي والفنان، وقدّم وهو خارج العراق صورة واضحة عما يجري في العراق آنذاك فكان صوتا مسموعا استطاع مع الصورة ان يوضح للعالم المتمدن مايمر به العراقي من مصادرة للحريات ومن اضطهاد وظلم وصلت حد سلبه انسانيته، لتستقر الكرة اخيرا في قدم السياسي الذي لم يحاول ان ينظر الى المثقف كشريك رئيسي في الديمقراطية التي تحتاج في بنائها الى الاثنين في قارب يتسع لهما وللخروف ايضا.
هواء فـي شبك: (اعرفها درّاجه)

نشر في: 18 ديسمبر, 2010: 08:55 م







