إحسان شمران الياسري الزراعة في العراق أحد أبواب الحياة التي نشأت في وادي الرافدين، وساهمت -بلا جدال- في نشأة حضارته، واجتذبت أمماً أخرى لتعمّر هذهِ البلاد وتكتب مجدها التليد عبر ألوف السنين.. وواجهت هذهِ البلاد في مختلف العصور ضغوطاً متنوعة على هذهِ المهنة، بين شحّ الماء، أو وفرته العاتية عبر موجات الفيضان التي اجتاحت الوادي وأجنحتهُ المتباعدة، فخرّبت المشاريع الكبيرة والمتواضعة التي أنشأتها الأمة العراقية..
ولستُ هنا للكتابة عن تأريخ الزراعة في وادي الرافدين، لأني لستُ في هذا الموقع، ولا أملك من يكفي من المعلومات عنها.. بل سأكتب عن إرهاصات في أداء مؤسسات الدولة المؤتمنة على مصالح الفلاحين وأرزاقهم.فبعد ثورة تموز 1958 قيل إن إجراءات الإصلاح الزراعي التي قامت بها الثورة تسببت بأضرار فادحة للزراعة، بعد أن تم تقسيم الأراضي وتوزيعها على الفلاحين، فتفتيت الملكيات الكبيرة قد حرم هذا القطاع من اقتصاديات الزراعة الكبيرة. وبدلاً من ازدهارها، هاجر الفلاحون الذين حصلوا على الأراضي من هذهِ التوزيعات إلى المدينة في موجة هجرة أصبحت مشهورة في الأدبيات السياسية والحزبية.. وأسباب هذا الإعراض عن الزراعة واضحة، ولا نُريد الدفاع عنها، لأن رائحة الاشتراكية وأهداف ثورة تموز لم تزل في عروقنا وأنفاسنا إلى هذهِ الساعة. بعد الحصار الاقتصادي عام 1990 اتجهت الدولة إلى دعم الزراعة والمزارعين ووفّرت جزءاً مهماً من احتياجاتهم، وهيأت الضمانات القانونية والإدارية لشراء الحاصل الزراعي، بل كانت الأثمان التي اشترت بها الحاصلات أكثر من مجزية.. فضلاً عن توفير الآلات والمكائن وأدوات العمل وتهيئة الأسمدة الكيمياوية ومواد مكافحة الآفات الزراعية بأسعار مناسبة. ومع إن إجراءات الدولة وبعض تشريعاتها أعادت خلق مقاطعات كبيرة، إلا إن الأخيرة أوجدت وفرة معقولة من الناتج أعانت الدولة على تجاوز مشاكل الاستيراد التي خلقها الحصار. وكانت واحدة من سمات مرحلة الحصار، هي الإعلان مسبقاً عن أسعار الحاصلات، ودفع أثمانها بعد التسليم بوقت مناسب.وبعد التغيير السياسي عام 2003 كثرت الشكاوى من مشاكل في تسعير أقيام الحاصلات، وفي مواعيد تسليم أثمانها، بل وكان هناك تراخ في تسلّم الحاصلات. ويحكي مزارعون إنهم لم يتسلموا أثمان الشعير إلى الآن (يعني بعد ستة أشهر من تسويق الحاصل). بل تم تخفيض الأسعار بعد مباشرة الفلاحين بالتسويق. إن مثل هذا التراخي، ينعكس على حماس المزارعين في مواصلة العمل والزراعة مجدداً.. وهناك كلام عن تردد الكثيرين من زراعة المحاصيل الشتوية للموسم الحالي، أو في زراعة مساحات أقل.. وإذا عدنا إلى جذور المشكلة، نجد إنها إدارية وليست مشكلة سياسية أو في ضعف إرادة الدولة.. لأن من يرى المبادرة الزراعية التي أنعشت جانباً مهماً من جوانب القطاع الزراعي، سوف يؤمن بوجود إرادة لدعم هذا القطاع. إلا إن بعض الاجراءات الحالية قد تبث اليأس في قلوب المزارعين، وتشجع استمرار الاستيراد لبلدٍ تأسست فيه الحضارة على أكتاف المزارعين والقطاع الزراعي في حضن الرافدين وواديهما العظيم. لذا تصبح المراقبة الدائمة لأداء مفاصل الدولة في التعامل مع القطاع الزراعي مهمة.. فالبلد النفطي يجب ان يؤسس لنهضة الزراعة قبل نضوب نفطه، وان توضع موارد النفط في تعزيز نهضة هذا الميدان المهم، ودعم بُناه المتصدعة.. وما الحديث عن مشاكل في التمويل لاستحقاقات المزارعين، إلا كالحديث عن إقامة نُصب في أعماق الاهوار او البوادي، او إقامة أبراج في مدن بائسة ليس فيها كهرباء ولا ماء. و (منهوب النص مو منهوب).ihsanshamran@yahoo.com
على هامش الصراحة :الذين زرعوا

نشر في: 19 ديسمبر, 2010: 05:16 م







