علي حسينلم يكن مدهشا على الإطلاق أن يكون العراق على قائمة الدول الأكثر انتشارا للرشوة حسب تقرير منظمة الشفافية العالمية والذي يؤكد أن ربع سكان العالم دفعوا رشاوى لمسؤولين في الأجهزة والمؤسسات الحكومية هذا العام، لا سيما في العراق وهذا يعني أن ربع سكان العراق اجبروا على دفع رشاوى، تقرير منظمة الشفافية العالمية يشير إلى أن الرشوة انتشرت في مؤسسات الصحة والتعليم والضرائب والعديد من الدوائر الخدمية.
"دعه يرتشي دعه يمر"، شعار يرفعه الكثيرون هذه الأيام للحصول على مكاسب سريعة ومضمونة وربما سيكون شعار المرحلة المقبلة مادامت أجهزتنا الرقابية عاجزة عن مواجهة مافيا الفساد الإداري. في كل يوم نقرأ أخبار هيئة النزاهة وهي تحذر المواطنين من مغبة دفع رشاوى واعتبار هذا الفعل مخالفاً للقانون، وفي كل يوم تنشر وسائل الإعلام قصصا خيالية عن رشاوى قدمت لمسؤولين كبار وحين تسأل عن مصيرهم، تجدهم يتنزهون في شوارع بيروت أو يتسوقون في لندن، أما الأموال ففي خبر كان. كنت أتمنى أن تصدر بعض الدوائر الحكومية لائحة جديدة بالرشاوى التي على المواطن أن يدفعها منعا للالتباس، مما يستدعي من المواطنين الذين لا يملكون القدرة على تحمل هذه الرشاوى، المكوث في بيوتهم وعدم التسبب بإزعاج للسلطات،وكنت أتمنى على المواطن أن يدرك فلسفة بعض الدوائر الحكومية في تحديد أثمان كل شيء بدءا من استخراج هوية أحوال مدنية وانتهاءً بمحاولة الحصول على وظيفة،كل شيء محدد بأسعار ثابتة، فالمعاملات البسيطة يمكن دفع رشاواها بالعملة الوطنية، أما إذا راودتك نفسك وحلمت بأن تصبح موظفا في إحدى الوزارات فالدفع حتما بالعملة الصعبة. وكنت أتمنى أن يدرك المواطن الذي ينعم بخيرات الحكومة، أن تعرضه للإصابة بالأمراض يكلف الدولة الكثير، وان حصوله على وثيقة رسمية يأخذ الكثير من وقت الموظف المسؤول، وان الحصول على وظيفة يرهق وقت وميزانية الحكومة، وكنت أتمنى على المواطن أن يدرك أن امتناعه عن إخراج ما في ذمته لدوائر الدولة يتسبب في فشل الكثير من خطط التنمية ويوقف مشاريع الإعمار، بل انه يعرقل انسيابية الخدمة الحكومية، كما أنه يمثل ضغوطا نفسية رهيبة على العاملين بهذه الدوائر مما يجعلهم يتعاملون معك بعصبية. عزيزي المواطن الذي لا يتحمل المسؤولية الوطنية، عليك أن تعرف أن دفع الرشاوى من شأنه تقليل الضغط على الدوائر الحكومية، وبالتالي سيتاح لكل دائرة أن تعمل بهدوء، وبعيداً عن المراجعين الشحاذين الذين جعلوا الدوائر الحكومية حالة مزرية نتيجة تدفقهم عليها طوال والنهار وبدون مقابل. عزيزي المواطن "خلي عندك إحساس"، واترك الفرصة للقادرين لكي تنجز معاملاتهم، ولا داعي لهذه الأنانية المفرطة، فليس معقولا أن نخصص كل ساعات الدوام لمن لا يملكون، ونظلم من يستطيعون تحمل نفقات الرشوة. عندما شاعت الرشوة في البلاد، بسبب الفقر وفساد الذمم وسقوط القيم مع وجود ثغرات في القانون، أصبح الإنسان لا يستطيع قضاء مصلحة - حتى وهو صاحب حق- إلا إذا دفع، أصبح القبض حقا مكتسبا لأي موظف في أي مؤسسة حكومية، فإذا لم تفهم وتفتح جيوبك، وتدفع، ستجد أسهل إجابة "ارجع بعد أيام معاملتك غير مكتملة"!، وغيرها من الأسباب التي تجعلك تفكر ألف مرة قبل أن تقدم على الدخول إلى هذه المؤسسة أو تلك، هكذا أصبحت الرشوة مقننة، يرعاها القانون بعين واحدة، فهو يطلب من المواطن عدم الدفع ولكنه لا يحاسب المرتشي.قال لي خبير قانوني، وأنا أناقشه في هذا الأمر: التشريع العراقي واضح في عقوبة الراشي والمرتشي، لكن تقصير المواطن في الإبلاغ عنها شجع المرتشين، ضحكت وأنا اسمع هذا الكلام، فالمشكلة يا سيدي ليست في القوانين وإنما في المفسدين الذين يعزفون لحن البقاء للأفسد، والذي أثبت أنه أشد فتكا من كل أشكال الاحتلال والاستعمار.
فــــارزة :أيها المواطنون ..عليكم بالرشوة !!

نشر في: 19 ديسمبر, 2010: 08:49 م







