علي حسين الحمد لله.. بعد صبر وطول معاناة، انطلقت الفرحة في القلوب والابتسامة علي الشفاه، فقبل الموعد بأيام قليلة، استطاع المالكي أن يعلن تشكيلته الوزارية والتي ضمت 42 حقيبة وزارية انتبهوا للرقم جيدا!! لم يحدث في تاريخ الحكومات العراقية منذ الحكم الوطني أن جاءت حكومة بمثل هذا العدد من الوزارات وبمثل هذا التقسيم الذي أريد به إرضاء إرادة الكتل السياسية على حساب إرادة العراقيين.
قبل الحديث عن منهاج الوزارة وخططها لإنقاذ هذا الشعب المسكين من شبح المفخخات وغياب الخدمات والبطالة وأزمة السكن والغلاء نتساءل هل يحتاج الناس لكل هذا العدد من الوزارات للسهر على أمورهم؟ ولماذا يجب على الشعب أن يتحمل تكاليف توافق الكتل السياسية على حساب مستقبل أبنائه وأحلامه وأمانيه، بعد أن تحمل لسنوات عواقب خلافات هؤلاء الساسة أنفسهم.الناس كانت تمني النفس بحكومة تسعى لتوزيع عادل لثروات البلاد على أبناء الشعب لكنها أيقنت الآن أن الحكومة الجديدة جادة في توزيع ميزانية الدولة على هذا الجيش الجرار من الوزراء ووكلائهم ومستشاريهم والأهم حماياتهم وأقاربهم والموالين لهم.من تابع مراسيم تشكيل الحكومة حتما أصيب مثلي بخيبة أمل، فهل يعقل أيها السادة أن العراق لم ينجب امرأة تصلح لتتولى وزارة المرأة وهل يعقل أن العراق الذي كان أول بلد عربي يمنح حقيبة وزارية لامرأة عام 1958 يعجز سياسيوه عن اختيار نسوة لتولي مناصب وزارية، ولكن يبدو أننا اليوم نعيش عصر الدولة الدينية التي يشرع ويدعو لها ساسة كبار، رافعين شعار "الرجال قوامون على النساء"، وهل يعقل أن يعطي الساسة ظهورهم لمناشدات المثقفين بالاهتمام بوزارة الثقافة وإبعادها عن المحاصصة، سيقول البعض أن المنصب الوزاري منصب سياسي فمن غير المعقول أن يطالب المثقفون بحصة وزارية خارج المعادلة السياسية؟ وأيضا من غير المعقول أن يطالب أساتذة التربية والتعليم بحصة وزارية، وأيضا من غير المعقول أن تطالب الكفاءات العلمية بوزير، فالأمور أولا وأخيراً عبارة عن توافق سياسي، فالجميع يجب أن يرضى، ورضاهم غاية لا يدركها إلا من تمرسوا جيدا في السياسية، أما هذا الشعب المغلوب على أمره فمن السهل إرضاؤه بخطب رنانة ومشاريع لن تخرج إلى الوجود، وأمنيات بحصة تموينية خالية من الشوائب فهذا أكثر ما يصبو إليه فقراء هذا البلد. يكتب علي الوردي قبل أكثر من نصف قرن أن الساسة العراقيين تراهم أكثر القوم حديثا عن الديمقراطية وحقوق الشعب ولكنهم ما إن يجلسوا على كراسي السلطة حتى تجدهم من أكثر الناس نقمة وكرها لكلمة اسمها "الديمقراطية" أليس من الغريب أن يقف سياسي بوجه ترشيح إحدى الشخصيات على مقربة من المثقفين لا لشيء إلا لكونها "منفتحة" أكثر من اللازم،على حد تعبيره، فالثقافة في عرفهم هي ثقافة القرن الأول الهجري، أما الذين يسعون في ركاب التطور فهم قوم أنجاس ملعونون في الدنيا والآخرة، هل يعقل أن البلد خلا من الكفاءات العلمية والجامعية ليتولى أمره السياسيون – مع احترامنا العالي لشخص السادة الوزراء ودورهم في العملية السياسية- ولكن لا يمكن أن يصل العبث إلى هذا المستوى. العبث هذه المرة كان صارخاً في الاختيار غير الموفق لأكثر من 70 بالمئة من التشكيلة الوزارية، ونحن لا نشكك في الأداء السياسي ولكننا نطمح ونسعى للأداء المهني، فمن غير المعقول أن ندخل موسوعة غينس للارقام القياسية من أوسع أبوابها، أولا: باعتبارنا البلد الأكثر انتشاراً للرشوة والفساد المالي، وثانيا: حين نعد البلد الأكثر عددا بالوزارات، فبلد بحجم الصين لا يوجد فيه غير 27 وزيرا وأمريكا بكل هيلمانها 14 وزيرا وفرنسا 15 وزيرا ومصر 24 وزيرا وبريطانيا 21 وزيرا.يحدثنا المؤرخ خيري العمري في كتابه "حكايات سياسية"عن قصة طريفة تقول: أن وزير العدلية في العهد العثماني"مصطفى الآلوسي"، ذهب إلى المصرف ليقبض الراتب الأول له، وحين وقع بصره على الرزمة الكبيرة التي كان قد أعدها له المحاسب، سأل قائلاً:- أهذه الرزمة كلها لي؟فأجابه المحاسب: نعم، هي لكفما كان منه إلا أن رفع يده إلى السماء قائلاً"اللهم انصر الدين والدولة"نعم أيها السادة هذه كلها لكم، فبعد أن اخترعتم لنا وزارة "ناطقة" سنبقى نحن حتما شعبا من الصامتين.
فــــارزة :وزارة لـ"الناطقين".. والشعب صامت!!

نشر في: 21 ديسمبر, 2010: 09:20 م







