TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > تلويحة المدى :مقدمات تأسيسية لأنطولوجيا فوتوغرافية عربية (1)

تلويحة المدى :مقدمات تأسيسية لأنطولوجيا فوتوغرافية عربية (1)

نشر في: 24 ديسمبر, 2010: 05:20 م

شاكر لعيبي نعرف اللحظة أن مجمل تاريخ الفن الفوتوغرافي في العالم العربي لم يُكتب حتى الآن. ما نمتلك ليس سوى مجموعة من الدراسات المتباعدة والشذرات المتفرقة، أو الكاتالوغات الفوتوغرافية القليلة التي لا تؤرخ، كلها، لسيرورة هذا الفن، حتى أن بعضاً من أهم روّاده يطويهم النسيان المطبق.
نقول إن بعض ما كُتب على أساس أنه (تاريخ التصوير الفوتوغرافي) في العالم العربي ليس سوى (تاريخ دخول التصوير الفوتوغرافي) في العالم العربي على أيدي الأوربيين من المستكشفين والمستعمرين والمستشرقين والحالمين. وشتان بين الأمرين بطبيعة الحال.وإذا ما كُتب تاريخ فن التصوير الزيتي والرسم الحديثين في العالم العربي، متشظياً، حيث كل بلد يكتب تاريخه على حِدَةٍ ضمن اعتبارات بعضها موضوعية للغاية على أساس التحولات الثقافية المخصوصة التي طرأت عليه، خاصة لجهة هبوب رياح الحداثة الأولى، كما اعتبارات تتعلق بوهم الهويّات الوطنية المحلية التي لا شك في أن بعضها افتراضي، فإن تاريخ التصوير الفوتوغرافي في العالم العربيّ لم يُكتب كما يتوجب وظل محصوراً في دوائر ضيقة، ذلك أن الاهتمام بالتصوير الفوتوغرافي نفسه، على النطاق الثقافي العام، ظل رهين حلقات مثقفة محدودة للغاية ولم يُنظر إليه بصفته فناً رفيعاً إلا في السنوات الثلاثين الأخيرة على أبعد تقدير. هذا على الرغم من أن تاريخ الممارسة الفوتوغرافية في العالم العربي يسبق حضور الممارسة التصويرية والنحتية بزمن مُعْتـَبـَر. مفارقة لا يحلّها إلا التوقف أمام الريبة العربية المفرطة في القرن التاسع عشر من الفوتوغرافيا التي نُظر إليها على أنها نوع من ممارسة شيطانية غير مفهومة، خاطفة للأرواح. لقد وقع النظر للصورة image، مرسومة أو فوتوغرافية على حد سواء، لفترة طويلة في التاريخ العربي الإسلامي، بنوع من التشويش البالغ: بين الكراهية والتحريم والتسامح والقبول. وقد كانت أولى الرحلات العربية، السفارية المغربية منها خاصة، إلى الغرب الأوربي، فرنسا وبريطانيا، تبالغ باندهاشها من تطور فن الرسم "الواقعي" الأوربي وتسبغ عليه أوصافاً خارقة.إن جدلاً فقهياً حامياً قد وقع بشأن إباحة أو تحريم التصوير الفوتوغرافي منذ وقت مبكر. ففي عام 1884 صدر عن المطبعة الخيرية في مصر كتاب ذو عنوان دال "الجواب الشافي في أباحة التصوير الفوتوغرافي" لمؤلفه محمد بن بخيت بن حسين مطيعى، توجد حالياً نسخة منه في مكتبة الأزهر. إن سجع العنوان وحده لدليلٌ كاف على التأرجح الذي وَسَمَ وعي اللحظة تلك إزاء التصوير الفوتوغرافي. أما عبد الحميد الخربوتي الرومي المدرِّس الحنفي (1829م-1902م) فقد صنف "البرهان المنوَّر في تحريم التصوير واقتناء المصوَّر" (انظر"هدية العارفين" للباباني). ومثله مصنف عبد العزيز بن محمد بن احمد بن الصالح بناني (1861-1928م)، من أهل فاس، "إبداء التحرير في أحكام التصوير" (انظر "الأعلام"  للزركلي). وفي رسالة علي محمد اللكهنوي الهندي الشيعي (1844م- 1882م) "المثالية في إباحة التصاوير العكسية" (انظرْ "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر") فهو يبيح الصورة الفوتوغرافية كما هو واضح من العنوان. ومن الجزيرة العربية ثمة أيضا للمؤلف المتأخر عباس بن عبد العزيز بن محمد المالكي المكي (1910- 1971) "رسالة في أحكام التصوير". بينما تظل مرجعية الكراهية المفرطة أو التحريم المعاصرة للصورة عموماً منسوبة، في الغالب، للإمام الشوكاني (ت 1839م) في"رسالة في حكم التصوير"، بينما يتأرجح الشيعة اليوم بين حظر نظري محض وإباحة عملية واسعة النطاق للصورة.يستعيد الباحث المغربي أحمد السعيدي هذه الفكرة في مقالته (الفقيه والصورة) بمناسبة قراءته لكتاب عنوانه "القول المُحَرَّر، في اتّخاذ الصُوَر" لمُحمد بن عبد الكبير الكَتّاني (ت. 1909م) وهو يقدم مثالا مغاربياً أخر على المشكلة عينها.الأطراف جميعا لم تستطع إيقاف عجلة استخدام الصورة الفوتوغرافية على كل صعيد، العملي البراغماتيكي بشكل أساسي، لكن الجماليّ أيضا وهو ما تدل عليه رهافة جماليات التصوير الفوتوغرافي في منطقة الخليج والسعودية مثلاً لدى الأجيال الجديدة الموهوبة فوتوغرافياً.لقد انطلق التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي أصلاً من حاجات مباشرة قبل أي أمر آخر: التسجيل والتوثيق المطليان بمسحة من الدهشة والسحر والشعر والخرافة.أوائل المصورين تتلمذوا، لا شك، على يد أوائل المصورين الأوربيين القادمين إلى العالم العربي. وأوائل المصورين الفوتوغرافيين المحليين في المنطقة العربية كانوا إما من الطوائف المسيحية أو الأرمينية أو اليهودية أو الفئات الأرستقراطية. ولذلك سبب يتعلق بكراهية الصورة أو تحريمها بالنسبة لمسلمي القرن التاسع عشر مقارنة بالانفتاح الكبير عليها بالنسبة للديانات الأخرى. وفي هذا الصدد علينا القول أن الأرمن قد لعبوا في مصر والعراق وسوريا ولبنان دورا جوهرياً في توطين التصوير الفوتوغرافي. والأرمن ليسوا بطارئين على العالم العربي، كما يعتقد البعض، ولم يستوطنوا بقاع العرب فحسب بسبب ما تعرضوا له من اضطهاد على ي

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

محافظ بغداد يطلق العمل بنظام "الشفتين" لتسريع مشاريع شرق القناة

قاسم الأعرجي: العراق حريص على إعادة النازحين من مخيم الهول

غياب روسي وتحركات فلسطينية.. مجلس السلام هل سينقذ غزة؟

بغداد أرخص من إسطنبول في كلفة المعيشة بـ26%

العراق ينقل أكثر من 4500 عنصر من داعش إلى سجونه

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram