هاشم العقابيوانا استعرض الفضائيات عن طريق الريموت توقفت صدفة عند برنامج"الشريعة بين السائل والمجيب"على قناة العراقية. الغريب ان برنامجا كهذا يفترض ان يكون ضيوفه من رجال الدين او الفقه ليردوا على اسئلة الناس الشرعية المتعلقة باحكام الصلاة والصوم والحج وشروط النكاح واغتسال الجنابة وهي من الامور المهمة التي غالبا ما تشغل قطاعا واسعا من الناس.سر استغرابي هو ان ضيفي الاستوديو كان احدهما سياسيا وعضو مجلس برلمان،
هو الدكتور الحاج عامر الخزاعي الذي اعتقد انه طبيب وشغل منصب وكيل وزير، والضيف الآخر يعمل في مجال الثقافة والأدب وهو السيد نوفل ابو رغيف الموسوي الذي يشغل منصب مدير عام دار الشؤون الثقافية. كذلك المتصلون لم يكن بينهم سائل ولا فقيه مجيب بل مجموعة مختارة من السياسيين ودعاة الثقافة لتأييد الضيفين.لم اكن بحاجة للتأني كي افهم ان الحلقة مخصصة ومرتبة ضد حملة"الحريات اولا"التي لا اعرف سببا وجيها واحدا لزجها في برنامج فقهي من هذا الطراز. المهم تحول الضيفان الى خطيبين لا يضاهيهما خطيب مسجد او روزخون مجلس عزاء. لا اريد هنا ان اشغل القارئ الكريم بتفاصيل مادار بتلك الحلقة لكني ساقف عند لقطتين: الاولى مع السيد نوفل الموسوي الذي بدا متذمرا جدا من ان احد الكتاب المدافعين عن الحريات ادعى ان الامام الحسين بثورته العظيمة كان مدافعا عن"العرك"، وهنا اتمنى ان اكون مخطئا، اذ اعتقد انه قصدني في اشارة منه الى عمودي"يا حسين بضمايرنا". وضرب مثلا لتفنيد قولي، بطريقة لا تخلو من التأليب بقوله:"ان الامام الحسين كان يصف يزيد بشارب الخمر". نعم قالها الامام الحسين، لكن السيد نوفل ماكان يحسب ان سيسمعه اناس واعون فترجمها على طريق ذلك الروزخون الذي صاح بالناس:"أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر؟"الحقيقة هي ان لا في عمودي ولا في ما كتبه غيري من الكتاب، الذين كتبوا ضد هجمة تضييق الحريات، قد ورد ذلك وليت السيد نوفل ياتينا بدليل. ثانيا عندما نعت الامام الحسين يزيدا بشارب الخمر، لأن الأخير كان يصلي بالناس وكان يلقب نفسه امير المؤمنين. ونحن والحمد لله لم ندَّع الامارة على المسلمين ولا نفكر ان نؤمهم بالصلاة. ولو وجدت بيننا من ادعى ذلك او فعله فنحن معك عليه يا اخ نوفل. وما دمت قد تعكزت على قصة الامام الحسين، فاسمح لي ان اكرر ما قلته يوما بان شعراءنا هم من أحيى بطولة الامام في وجدان شعبنا وليس انتم ويكفيني ان اعطيك بعض هذه الاسماء اليسارية والعلمانية التي كنت تستهزئ بافكارهم واسأل غيرك من ذوي الخبرة ماذا قدموا للحسين واهل بيته: ابراهيم ابوشبع وعبد الحسين أبو شبع وشهيد ابو شبع وهادي القصاب وفاضل الرادود والحاج زاير وعبد الصاحب عبيد وشاكر السماوي ومظفر النواب وكاظم اسماعيل الكاطع، والقائمة تطول وتطول.نحن لا نرى في الامام الحسين رجل حرب، انما نراه رسولا للمحبة والسلام والتسامح. فهو وان لم ينتصر حربيا واستشهد وحيدا، لكنه ضرب اعلى مثلا في محبته حتى لاعدائه. تتفق الروايات انه كان يبكي لا من اجل نفسه انما من اجل قتلته الذين سيدفعون حريتهم ثمنا بوقوفهم مع الطغاة. يبدو ان الحس الشعبي كان اقدر ممن سمى نفسه مثقفا اسلاميا او مسلما على تشخيص قيمة التسامح عند الامام الحسين. وفي هذا ذكر الشيخ احمد الوائلي، رحمه الله، انه دخل ضريح الامام ليلا فسمع فلاحا متمسكا بشباك الحسين يناشده:"سايم عليك جدك يا ابو عبد الله ان لا تشفع ليزيد وتطلب من الله ان يسامحه يوم القيامة". يقول الوائلي سالت الفلاح:"منين اجاك هالتفكير؟".. فرد علي: شيخنا مو آنه اعرفه زين، صدكني يسويها". حكاية عميقة اتمنى ان يصل معناها للسيد نوفل ورهطه.وفي"تصجيماته"غير الموفقة، المح السيد ابو رغيف ان هناك دوافع ايدولوجية وراء حملة"الحريات اولا"، وواضح انه قصد الحزب الشيوعي العراقي. انا لست شيوعيا، وهذا شرف لا ادعيه، لكن مرة أخرى أنا ادعوه ان يسأل من هم اكبر منه سنا على الاقل ليخبروه ان للشيوعيين موكب عزاء حسيني كانوا يقيمونه كل عام بكربلاء، لا مجاملة لأحد، بل لان الحسين ثائر من اجل الحرية وهم من ابنائه لانه ابو الأحرار.ثم الغريب انه صار يرتعد ويتحدانا ان نخرج هوياتنا المدنية ويقصد (جناسينا) ويسألنا كيف ارتضينا ان يكتب فيها ان حاملها مسلم. تفكير يثير الشفقة حقا. نحن لا ننكر انا مسلمون لكننا لا نحترم من يجعل من ورقة رسمية تحدد طريقة تفكيرنا ونظرتنا للحرية. لعلمك ان الدول المتحضرة التي تحترم حقوق الانسان لا تذكر دين المرء ولا حتى عمله في الوثائق الرسمية حتى لاتشجع التمييز الديني والعنصري والطبقي بين الناس. أخيرا، ليس عندي غير ان اقول لك يا سيد نوفل متمثلا بالمثل البغدادي العميق:"إحنا أوادم ولد اوادم، بس الزمان زمال". غدا اتناول اللقطة الثانية مع الضيف الثاني.
سلاماً يا عراق:مثقفون أم فقهاء؟

نشر في: 26 ديسمبر, 2010: 08:57 م







