TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > منطقة محررة: المسجد الإستثناء مكانه قلب القرطبيين

منطقة محررة: المسجد الإستثناء مكانه قلب القرطبيين

نشر في: 28 ديسمبر, 2010: 05:30 م

نجم واليمن ظن أن الأمور ستظل على مايرام، وأن المشاكل انتهت منذ 2 نوفمبر 1984، عندما قررت منظمة اليونسكو في مؤتمر لها في العاصمة الإرجنتينية بوينيس آيريس إعلان جامع قرطبة بمثابة إرث يعود للإنسانية جميعاً، وأن اسمه الرسمي سيصبح منذ ذلك اليوم المسجد - الكاتدرائية، سيخيب ظنه.
 كان الكل مسرور للحدث، لدرجة أن الكنيسة الكاثوليكية في أسبانيا وبتشجيع من الفاتكيان احتفت بالمناسبة بطريقة فريدة من نوعها، عن طريق تنظيم مراسيم رمزية لإقامة الصلاة في باحة المسجد بمناسبة مرور اثني عشر قرن على بناء المسجد، ليقدم بعدها وأمام المحراب ممثل الفاتيكان في قرطبة الكاردينال فرانسيس آرينزا، رئيس السكرتارية الفاتيكانية صلاة جماعية للزوار من غير المسيحيين، وإلى جانبه وقف رئيس أساقفة قرطبة ليقرأ معه الرسالتين اللتين بعثهما البابا خوان بابلو الثاني وملك أسبانيا خوان كارلوس. كان المشهد مثالياً للجمهور، كأن الكنيسة لم تحتف بتاريخ المسجد وحسب، بل كأن قرطبة جميعها احتفت بقرار اليونسكو الذي عمد المسجد بالإسم "مسجد كاتدرائية" قبل عام من تلك المراسيم. من كان يدري أن رئيس أبرشية قرطبة نفسه الذي وقف في باحة المسجد إلى جانب ممثل الفاتيكان، سيطلق بعد 25 عاماً من وقفته تلك دعوة مثيرة للإضطراب، عندما يدعو في هذه الأيام إلى إلغاء كلمةالمسجد والإبقاء على كلمة الكاتدرائية وحسب على البناء؟في باريس يسأل الزوار عن برج إيفيل، في برلين عن برج ألسكندربلاتز أو برنادبورغير تور (بوابة براندينبورغ)، في روما عن الكولوسيو، ساحة مصارعة المحاربين مع الأسود، في نيويورك (وحتى بعد 11 سبتمبر 2001) عن برجي التجارة أو تمثال الحرية، في لندن عن ساعة بيغ بن، كل مدينة في العالم لها النقطة التي أجمع عليها الجميع، وقرطبة؟ قرطبة هي المدينة الأوروبية الوحيدة التي ما أن يصل الزائر إليها، بغض النظر من أي قارة يأتي أو إلى أية قومية ينتمي أو إلى أي دين، حتى يسأل عن المسجد، أميركياً كان أم يابانياً، صينياً كان أم فرنسياً، المانياً كان أم أفريقياً، عربياً كان أم اسبانياً. "أين هو المسجد؟"، ذلك هو السؤال الشائع، يسمعه المرء في كل مكان، في محطة القطارات أو في الباص، في موقف التاكسيات أو في المطعم، في المقهى وفي البار، وهي المناسبة الوحيدة التي لا يعني السؤال فيها البحث عن مكان للصلاة، بل تعني ببساطة، النقطة التي على أساسها يعثر المرء على هدفه. صحيح أن الجوامع التاريخية التي نعرفها تقع عادة في مركز المدينة، قريباً من السوق، إلا أنه في حالة قرطبة يقع المسجد بعيداً عن السوق، على نهر وادي الكبير حيث كانت حدود قرطبة عندما كانت عاصمة لحضارة ألقت بشعاعها على العالم جميعاً. لكن رغم ذلك لم يشكل المسجد قلب المدينة وحسب، بل أصبح ومنذ بنائه قبل قرون البوصلة التي يسير عليها الزوار والمقيمون، الفنار الذي يرشد القادم على طريقه، من غير المهم كم يبعد الهدف الذي يريد الوصول إليه عن المسجد.سكان قرطبة يصفون دائماً الأماكن في المدينة دائماً حسب علاقتها بالمسجد. التقليد هذا عرفته قرطبة على مدى قرون، سكان المدينة يعرفون أن كل العالم يأتي إلى مدينتهم بسببه، بسبب المسجد، "لا مسكيتا"، هو رأسمال المدينة، كنزها الذي عاشت عليه، كل تصميم أو إعادة بناء، كل المشاريع الإستثمارية القديمة والحديثة غذت نفسها من المسجد. ليس من الغريب أن تحمل المدينة رسم المسجد شعاراً لها، وحتى اليوم لم يزعج ذلك القرطبيين، وجود المسجد لا مسكيتا كان بالنسبة لهم بمثابة روتين يومي إعتادوا عليه. التاريخ يواجهون في كل مكان، كل زاوية أو زقاق، كل بيت أو مقام في المدينة التاريخية القديمة يُذكرهم بتاريخ صحيح أنه تاريخ غابر بعيد، لكنه قريب لهم يعيشونه كل يوم. ليست هناك مدينة أوروبية تحمل هذا الهواء الخليط، هواء الشرق الممتزج بالغرب مثل قرطبة، وهو الهواء التاريخي هذا الذي جعلها تقدم نفسها بصفتها "عاصمة ثقافية أوروبية" لعام 2016.المسجد هو قلب، أو روح المدينة، التنكر له أو الرغبة بمحوه من ذاكرة الناس، هو محاولة لمحو قرطبة من الخارطة تماماً.ذلك ما عرفه ملوك أسبانيا أيضاً أو ما يُطلق عليهم الملوك الكاثوليكيون. ما يزال يروي المؤرخون والناس تلك الجملة المشهورة التي أطلقها الملك الاسباني كارلوس الخامس عندما زار قرطبة للمرة الأولى بعد طرد العرب واليهود، وعندما رأى كيف أن مجلس الأساقفة المحلية بدأ ببناء كاتدرائية في وسط صحن المسجد، قال الملك للأسقف فراي خوان دي توليدو رئيس اسقفية قرطبة في حينه، "أنتم تصنعون ما هو موجود في أجزاء أخرى كثيرة في العالم وتهدمون ما هو وحيد وفريد من نوعه في العالم". ما لم يره الملك الكاثوليكي أيضاً أن المسجد بالفعل فريد من نوعه ليس في طراز بنائه، في معماره المتقن والجميل، السابق لعصره ولكل العصور وحسب، بل فريد من نوعه أيضاً في المكان الذي بُني فيه: جامع قرطبة لا يبعد عن السوق وحسب، بل يقع في الحي اليهودي، لا خوديريا، والسنيغوغ تبعد عنه مجرد بضعة أمتار. على أية حال شكراً للملك كارلوس الخامس الذي أوقف هدم المسجد، ولسوء حظ المسجد أنه زار المدينة متأخراً وإل

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

محافظ بغداد يطلق العمل بنظام "الشفتين" لتسريع مشاريع شرق القناة

قاسم الأعرجي: العراق حريص على إعادة النازحين من مخيم الهول

غياب روسي وتحركات فلسطينية.. مجلس السلام هل سينقذ غزة؟

بغداد أرخص من إسطنبول في كلفة المعيشة بـ26%

العراق ينقل أكثر من 4500 عنصر من داعش إلى سجونه

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram