علي حسينبرحيل الدكتور محمد حسين الاعرجي تفقد الثقافة العراقية واحداً من أهم النقاد العرب المعاصرين، دراساته المتعددة التي تكشف عن عمق معرفي وسند منهجي قل نظيرهما في مجال التعامل مع قضايا النقد والادب، تنفذ إلى “أساسيات النصوص، وتستجلي مقولاتها النظرية ومستنداتها التصورية. وكل ذلك في المنظور الذي يفارق الدوائر النقدية المغلقة، ويِِِؤكد ــ بالتالي ــ انتماء الخطاب النقدي لمجال الإبداع الفكري وقد أفصح عن هذا الأفق النقدي، الرحب،
منذ أواخر السبعينيات وذلك حين شرع في نشر كتاباته في مجلات " المورد " و" الاقلام " وغيرها تلك الدراسات التي ستجعل،، ناقدا ومثقفا في حجم الراحل علي جواد الطاهر يتنبأ لصاحبها بشأن كبير في الساحة النقدية العراقية وهو ما لم يتخلف الاعرجي عنه. عندما كنت انظر في وجه الدكتور الاعرجي في الاشهر الاخيرة تتداعى في ذهني المرة الاولى التي تعرفت فيها على الرجل وكانت من خلال بحثه القيم فن التمثيل عند العرب والذي يعد واحدا من افضل الدراسات في هذا المجال، ان لم تكن الدراسة الاكثر شمولية وعمقا، واتذكر كيف انني كتبت نقدا للكتاب اعارض فيه فكرة الاعرجي حول نشوء فن التمثيل عند العرب قديما وكنت في ذلك استند إلى قراءتي للمسرح الاغريقي والاوربي، ولا ازال اتذكر الرد الذي كتبه الدكتور الراحل وفيه يشير علي بمراجعة بعض مصادر التراث التي تسند نظريته، فكان ان فتح لي بنصيحته بابا جديدا جعلني اضع يدي على كنز من المعرفة كنت اتحاشى الاقتراب منه. فكان هذا الدرس الاول الذي تعلمته منه، ثم جاء الدرس الثاني حين قرات كتابه الممتع اجداد واحفاد واعترف انني لم اقرأ حتى هذه اللحظة كتابا برقة وحلاوة وعمق هذا الكتاب الذي يأخذنا فيه الاعرجي برحلة بين اعلام التراث وبين عدد من مؤسسي الفكر العراقي الحديث أمثال صلاح خالص، فيصل السامر، علي جواد الطاهر واخرين كتب عنهم الاعرجي باسلوب يجمع بين طرافة الحكاية وعمق التحليل والدراسة، والدرس الثالث في كتابه القيم "الجواهري دراسة ووثائق" والذي يعد من اهم الدراسات التي كتبت عن شاعرنا الكبير وفيه يواصل الاعرجي منهجه الذي يجمع بين الدراسة والسيرة الذاتية.لعل المتابع لكتابات الراحل الاعرجي والتي تكشف تعدد مجالات الكتابة الابداعية بمعناها الواسع الذي لا يقتصر على تحقيق كتب التراث وانما شمل دراسة الادب العراقي والاهتمام بكتب السيرة إضافة الى إضفاء لون من الدراسات الأدبية جمع بين الدراسة الاجتماعية والمنهج التاريخي، ولعل نظرة شاملة لمؤلفات الاعرجي سنجد هذا التنوع الذي يغني ويعمق مجال الدراسات النقدية في الأدب العربي فما بين اطروحته " الصراع بين القديم والجديد في الشعر العربي "والتي كتبها تحت اشراف استاذه علي جواد ومرورا بدراسة شعر الحمامي " وتسليط الضوء على "اوهام المحققين " و"الشعر في الكوفة " ودراسات وكتب تجاوزت الثلاثين كتابا تبين منهج الاعرجي الذي يعتمد منهج الجمع بين التراث والمعاصرة.ظل الاعرجي طوال رحلته الثقافية يمثل طرازا من الاساتذة النقاد الذين وهبوا حياتهم للبحث والتأمل مؤمنا بأن لا شيء في الحياة اعلى قيمة من الفكر والدراسة وقد لخص هو بنفسه افكاره في كلمات موجزة " اعتقد ان الناقد الادبي يحتاج الى الالمام بدراسة علم الاجتماع والنظريات النقدية الحياتية، حتى في تحقيق التراث نحتاج الى معرفة العوامل الاجتماعية والبيئية التي دفعت الشاعر لكتابة هذه القصيدة، لعل هذا الدرس هو اول الدروس التي تعلمتها من أستاذي وشيخي علي جواد الطاهر ". سحر الكتابة هو الوصف الذي يمكن ان نطلقه على تجربة الراحل والذي يكشف لنا مدى قدرته على إيصال الفكرة بأسلوب مشوق قادر على إيجاد القابلية عند القارئ لتقبل آرائه وأفكاره دون عناء، مقدما لنا نموذجا للباحث المتميز الذي يؤسس لمنهج فكري وعلمي في مجال الدراسات الأدبية ويكشف لنا بالتالي الخسارة الكبيرة التي منيت بها الثقافة العراقية وهي خسارة لن تعوض حتماً.
العمود الثامن: الاعرجي وسحر الكتابة

نشر في: 28 ديسمبر, 2010: 06:43 م







