TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > سلاماً يا عراق: زمان الحرية

سلاماً يا عراق: زمان الحرية

نشر في: 28 ديسمبر, 2010: 07:30 م

هاشم العقابيإن قالت العرب : "يجوز للشاعر ما لايجوز لغيره"، وفسره البعض انه يعني حرية التصرف بالقواعد والنحو، لكن العراقيين فسروا القول على انه يجوز للشاعر التعبير بحرية تقديراً منهم لموهبته. لقد وجد النتاج الشعري بالعراق فرصة للتطور نوعاً وكمّاً بفضل ما توفر له من حرية واسعة فصارت له أصناف عدة منها: المكشوف والخمريات والوجدانيات والمراثي والمدائح الدينية وغير الدينية، اضافة للهجاء الذي شكل، في بعض من جانبه الايجابي، عموداً من أعمدة انتقاد دعاة التخلف والجهل وذم الطغاة وفضح وعاظ السلاطين.
ولولا شغف العراقيين بالحرية، لما كان لأبي نواس ان ينهض شاعرا مجددا يمشي على طوله ببغداد رافعا كأسه متساميا على شعراء الخيل والرمح والجمال، ساخرا من البكائين على الاطلال، ليفتح بذلك صفحة حضارية مضيئة في تاريخ الادب العربي كله.حب العراقيين للحرية لم يأت مصادفة، بل توارثوه في جياناتهم عبر آلاف السنين من ايام حضاراتهم الاولى. في محاضرة للباحث الدكتور علي الشوك في ديوانية الكوفة بلندن في نخاية التسعينيات، كنت قد حضرتها، كشف عن أن السومريين اذا نصبّوا ملكا جديدا يأتون به إلى ساحة عامة وينادون على مواطن من أقل الدرجات الاجتماعية، وقد يكون شحاذاً، ليصفع الملك الجديد. هذه الطريقة فسرها الشوك بأنها، وحسب الزمن الذي كانت فيه، رسالة للملك ليتعلم الاذعان لشعبه. لقد عرف السومريون معنى الحرية وكانوا اول من كتب اسمها Emargi "ايمارجي" قبل ستة آلاف عام. وفي بابل اتسعت الحرية لتشمل الحيوان ايضا حيث ورد في ماكتبوه شعار يقول: " حتى الكلب ببابل يصبح حراً ".  كان من يريد ان يقول شعره بحرية يقصد المربد، ومن يطارده سيف حاكم بدوي بسبب قصيدة قالها يلوذ بالعراق. وما كانت الحرية والحماية العراقيتين للشعر والشعراء فقط، بل امتدت أيضاً لتشمل المفكرين والكتاب والرسامين وفقهاء الدين الذين مكنهم زمان الحرية بالعراق، وخاصة ببغداد، من تأسيس أشهر وأهم المدارس الفقهية والمذهبية والفرق الفلسفسية .لم يجرؤ حاكم عراقي واحد، خاصة في العصر الحديث، على شتم الادباء ومعاقبتهم والتضييق عليهم وتشويه مكانتهم حتى لو شتموه جهاراً. وظلت حرية الادب والادباء مقدسة الى ان تسلط صدام على رقبة العراق فذبحها بقوانين شمولية جائرة وقدمها على طبق من ذهب لبعض الظلاميين الذين صار بعضهم اليوم، وبدون ادنى حياء، يطبقها كقانون 82 لسنة 1994 الكريه.وللإنصاف أجد إن لا بد من ذكر المرحوم عبد الكريم قاسم الذي اعطى مثلاً نادراً في سعة صدره واحترامه الأدباء. فلا أحد ينكر تقديره واحترامه شاعرنا الكبير الجواهري وكذلك السياب رغم انهما انتقداه، لا بل وشتماه ايضا، في اكثر من قصيدة ومقال. لقد كان نصب الحرية في أيامه لوحة ناطقة بوسط  بغداد وليست خرساء ، كم يحدث اليوم، تتربص بها معاول أعداء الفن والموسيقى.وللأمانة يجب أن  أذكّر أيضاً بموقف المرحوم نوري السعيد مع الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي الذي نشر ضده الكثير من القصائد في جريدته، حتى أنه مرة انتقد نوري السعيد وجهاً لوجه. لكن الاخير لم يتعرض له لا من قريب ولا من بعيد، لا بل قيل إنه كان يبادر الكرخي بالسلام وأحياناً لا يردّ الكرخي عليه سلامه!وما دمت قد جئت على ذكر الشعر الشعبي، فاسمحوا لي أن أمرّ غداً على شعرائه وبعض من قصائدهم في تلك الايام التي صار الحنين لها حسرة بحجم العراق.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

محافظ بغداد يطلق العمل بنظام "الشفتين" لتسريع مشاريع شرق القناة

قاسم الأعرجي: العراق حريص على إعادة النازحين من مخيم الهول

غياب روسي وتحركات فلسطينية.. مجلس السلام هل سينقذ غزة؟

بغداد أرخص من إسطنبول في كلفة المعيشة بـ26%

العراق ينقل أكثر من 4500 عنصر من داعش إلى سجونه

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram