TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > من البرج العاجي :إطـلالـةٌ تـشـكـيـلـيـةٌ

من البرج العاجي :إطـلالـةٌ تـشـكـيـلـيـةٌ

نشر في: 2 يناير, 2011: 05:13 م

فوزي كريم بالرغم من مرور قرابةِ شهرين على افتتاح المعرض الاستعادي الموسع للفنان الفرنسي بول غوغان (1848-1903)، إلا أن تَيْت غاليري المطل على نهر التَيْمز، مازال يضجُّ بالزائرين في طابور التذاكر، وقاعات العرض الإحدى عشرة. وحماسي لا يقلُّ عن حماسهم في رؤية فنان أحبه، وأعمالٍ فنية تبلغ المئتين.
عنوان المعرض يكشف عن أول عنصر من عناصر محبتي له: "بول غوغان، مُبدعُ أسطورة". لأني أعتقد ان الفنان الحقيقي لا يكشف عن ندرة عالمه الداخلي إلا عبر خلق عالمه الاسطوري. كان بدر شاكر السياب نموذجاً رائعاً لهذا في الشعر. ولقد أوضحتُ هذا في أكثر من كتاب، توسعت فيه ليشمل شعراء آخرين لا يقلون أهمية، مثل عبد الصبور والبريكان. السياب رجع إلى عالم صباه، ووفّر من جيكور، وبويب، والشناشيل، ووفيقة، وجدّته، عناصرَ عالمه الأسطوري الذي جعله ينتسب للعالم السفلي، عالم الموتى. غوغان  هو الآخر بحث عن الجذور البدائية للحياة، والتي افتقدها في حضارة الغرب، في تاهيتي، وجزر المارتينيك. وحين بلغها في رحلاته المحفوفة بالمخاطر، والأمراض، والعوز المادي، وجدها حياةً مُستلَبة من طبيعيتها، من قبل الإرساليات المسيحية، والتحضير النفعي الأوربي. إلا أنه أعاد صياغتها على هواه الفني، الخيالي. حقق فيها مُناخ عالمه الأسطوري. هذا المناخ الذي يشخّص فرادةَ عالمه الداخلي الذي تميز به.    كان غوغان يفتقد الدربة المدرسية، فانتفع من ذلك لينطلقَ على هواه في توفير عناصر فنه الخاصة. كان يُقال عنه أنه انطباعيّ، أو ما بعد إنطباعي. إلا أنه يرى نفسه "اصطناعي"، يحتفي على تسطّح قماشة اللوحة بالكتل اللونية الحادة، غير الطبيعية، والمستقلة عن بعض بخطوط حادة هي الأخرى. إنه لا يريد تشخيص المرئي الفعلي، بل غير المرئي الذي تلتقطه البصيرة الرائية. وليحقق هذا عليه أن يربك المعادلة، فيجعل من المألوف غيرَ مألوف. وكذلك العكس. ويحاول أن "يسمح لأصوات الأرض العميقة بأن تلعب دورها المهم"، على حد تعبيره. إنه يهاجم الانطباعية لأن رساميها "يُعنون فقط بالعين ويهملون المراكز الخفية لفاعلية الفكر". وغوغان لم يكن متديناً، ولكنه أتاح لبصيرته الرائية هاجساً دينياً يعينه على الاستلهام. تجد ذلك في لوحة "يعقوب يصارع الملاك"، وفي اللوحات التي رسم فيها المسيح بصورة لا تخلو من ملامحه هو. وفي لوحة "المسيح على جبل الزيتون" نجد غوغان نفسه، باللون الأخضر الشذري الذي يميل إليه في أكثر لوحاته، في لحظة تأمل مفعمة بالأسى. ولعل الأحلام وعالمها الخفي يدعمان هذا التوق، إلى توسيع أفق الواقع أيضاً. ولم يكن "لاوعي" فرويد، ولا دور الأحلام التي نبه لها، حاضرين آنذاك. إن هذا الفنان الذي هجر سوق الأوراق الماليه، عمله الأول، وهجر العائلة سعياً للبحث عن ملامح المجهول، الخفي، الذي يلامس بشرته الأرضيه، هيأ أكثرَ من رابط بين فنه التشكيلي وبين الموسيقى، وبينه وبين الأدب. دعك عن عناصر الحياة البدائية، والتغرب المميت. والمعرضُ وفّر لزائريه رسائلَ من غوغان، ومخطوطة كتابه "نوا نوا" (العنوانُ في اللغة التاهيتية)، التي تزيّنت بعشرة أعمال طباعية على الخشب، وببضع قصائد للشاعر الفرنسي الرمزي تشارلس موريس. يحيطُ بهما نثرُ غوغان، في وصف تفاصيل تجربته مع الحياة القارّية، وناسها، وديانتها. وضع الكتاب بعد عودته إلى فرنسا عام 1893.ولعل عناوين بعض اللوحات ذاتها، "إلى أين تذهب؟" و "هلْ تأكلكِ الغيرة؟"، تعكس وَلَهَ غوغان بالعمق الأدبي للوحته، إلى جانب ولهه بالعمقِ الموسيقي. يقول أن البعد الموسيقي "يتضح بعنصر التأليف في اللوحة، والخطوط والألوان". في حين "يتضح البعد الأدبي بالعنصر الحكائي في اللوحة"، الذي يترك فيه الحوارَ، والحدثَ غامضاً، مفتوحاً. استعراض أعمال عديدة، وكثيفة في مادتها التشكيلية، والرمزية، كأعمال هذا المعرض، لتستحق أن تُرى أكثر من مرة. إن لوحة Nevermore O Tahiti، للتاهيتية العارية المضطجعة بأسى، لتستحق صحبة طويلة، وأُلفة.فالرسم لدى غوغان جسرٌ مقدّس، عبر العيني، إلى المجهول، الذي يطمع في الإطلالة عليه كلُّ فنانٍ كبير، وشاعرٍ كبير.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

محافظ بغداد يطلق العمل بنظام "الشفتين" لتسريع مشاريع شرق القناة

قاسم الأعرجي: العراق حريص على إعادة النازحين من مخيم الهول

غياب روسي وتحركات فلسطينية.. مجلس السلام هل سينقذ غزة؟

بغداد أرخص من إسطنبول في كلفة المعيشة بـ26%

العراق ينقل أكثر من 4500 عنصر من داعش إلى سجونه

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram