TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناديل: دال ونقطة بعشرة آلاف دولار

قناديل: دال ونقطة بعشرة آلاف دولار

نشر في: 18 أغسطس, 2024: 12:28 ص

 لطفية الدليمي

من أين ينبعُ الجشع؟ من الأرواح الخاوية التي استوطنها الظلام وصيّرها ثقوباً سوداء. هذه الأرواح الموبوءة بعفن الفساد عندما تغيب عنها قبضة القانون ستفعل كل ما نتخيّله أو ما يستعصي تخيّله من حِيَل المخاتلة واللعب على الحبال سعياً وراء ما تحسبه حقوقاً حصرية لها.
السياسيون العراقيون أسوأ من ثقوب سوداء. يعملون بنظرية (احصل على كل شيء ولا تبقِ شيئاً للآخرين. اتبع كل الوسائل الممكنة وغير الممكنة. امسك بلحظتك ولا تفلتها من يديك فهي لن تأتيك كل يوم). و فضلاً عن التهامهم كل شيء تجدهم يعمدون إلى تخريب كلّ القيم الرصينة التي كرّستها تقاليدُ بناء الدولة العراقية عبر العقود الماضيات.
لنقرأ هذا الخبر الصادم: "كشف مسؤول في وزارة التعليم العالي العراقية عن حصول ما لا يقل عن 500 سياسي ومسؤول حكومي وحتى على مستوى قضاة ومستشارين وبعض مشاهير الإعلام المحلي من مقدمي برامج الحوارات السياسية اليومية، خلال السنوات الأربع الأخيرة، على شهادات الدكتوراه، غالبيتها كانت من بيروت وطهران. وأضاف أنّ جزءاً كبيراً من هؤلاء ناقشوا أطروحات الدكتوراه وحتى الماجستير عن بعد، ولم يذهبوا إلى مقر الجامعة التي منحتهم الشهادة…..". مابقيَ مرفق في الدولة لم يجعل منه السياسيون والمسؤولون ميدان مغانمة، ويبدو أنّ الوقت قد حان للتزاحم على (شراء) الدكتوراه. يقولون أنّ كلّ (البيعة) تحصل في حدود العشرة آلاف دولار ولو أنّ هناك من يقول أنّ تخفيضاتٍ كبرى طالتها وقزّمتها إلى حدود الثلاثة آلاف دولار.
كنّا نتندّرُ في زمن سابق على بضعة أنفار حصلوا على الدكتوراه وهم في مواقع أبعد ما تكون عن الحاجة إلى إثراء أكاديمي، وكنّا نعرف فيهم أنهم يريدونها لوجاهة فارغة لا لشيء آخر، وقد استغلّوا مواقعهم الوظيفية وقدرتهم في التأثير على رؤساء الاكاديميا العراقية. ما يحصل اليوم صار حالة مشاعة أساءت للجهد الاكاديمي الحقيقي. يبحث ساسة اليوم من قادة الاحزاب وحتى مستوى المدراء العامين على وجاهة مزيّنة بدال ونقطة، وسيغضبون كثيراً لو تغاضيتَ عن كلمة (دكتور) تسبق أسماءهم. هل تصدقون أنّ أحد الوزراء (المؤمنين) أصدر إعماماً وزارياً على دوائر وزارته يشترط فيها أن تتم مخاطبته بلقب (معالي الدكتور الوزير…….. المحترم)، ثم فرّ بعد سنوات عديدة وقد عزز رصيده (البريطاني) بعدة مليارات من الدولارات.
غريبٌ أمرُ هؤلاء الساسة والمسؤولين ورؤساء الاحزاب، وكأنّهم ماجاءوا إلا لينتقموا من العراق والعراقيين. متصاغرون في كل شيء، حاسدون لبعضهم، ربما عرفوا أنّ أحد زملائهم حصل على الدكتوراه فآثروا الحصول عليها بكلّ السبل والوسائل. استبدلوا البناء بالنميمة والتحاسد فهم لا يعرفون سواهما. بعد كلّ سرقاتهم المفضوحة لن يتأخروا عن سلوك أي سبيل يأتي لهم بزيادة على رواتبهم، ولن يرف لهم جفنٌ إذا ما قيل لهم لقد خرّبتم التقاليد الاكاديمية الرصينة. إنهم (مقاولو تفليش) كما وصفهم أحد أقطاب العملية السياسية الخَرِبة في العراق.
ما يثيرُ الدهشة أن يحصل هذا التدافع على شراء شهادات الدكتوراه الرقيعة في وقت يشهد العالم فيه مراجعة جادة لنمط التقييم الاكاديمي. كثيرون في العالم يرون أنّ التراتبية الاكاديمية في نمط منح الشهادات (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه، مابعد الدكتوراه) صارت متقادمة ولم تعد تتناغم مع العصر الجديد: عصر الثورة التقنية الرابعة. من المفيد أن نتذكّر كيف أنّ أساطين التقنية الرقمية لم يحوزوا على شهادات عليا؛ بل حتى لم يحوزوا الشهادة الجامعية الاولية. الانفتاح المعلوماتي والبيانات الكبيرة لا بدّ أن تعيد ترتيب طرائق البحث المنهجي بكيفية لم تعد الطرائق القديمة متماشية معها. ثمة العديد من الشخصيات الاكاديمية الكبرى في العالم ممّن كتبوا دراسات معمقة اعلنوا فيها أن كيفية إعداد اطروحات الدكتوراه والماجستير صارت غير منتجة وشكلانية إلى حد كبير.
هذا بعض ما يفكّر فيه العالم، بينما لايعرف المسؤولون العراقيون شيئاً سوى التفنّن في شراء شهادات تكفل لهم الطرب على وقع كلمة (دكتور)، أو تتيح لهم إضافة دال ونقطة قبل أسمائهم.
ستلعبون كثيراً، وسترقصون على الحبال طويلاً، ولكنكم لستم في النهاية سوى (مقاولي تفليش) كما قال أحد دكاترتكم قبل عقد من السنوات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram