علي حسين أمضيت ليلة رأس السنة أتابع الفضائيات وهي تعرض احتفالات العالم ببداية عام جديد، طبعا العراق مستثنى من هذه الاحتفالات بسبب نظرية " النكوص الى الخلف " التي تحرم الفرحة والبسمة بعد ان حرمت الغناء والموسيقى – باستثناء كردستان التي كنت انظر الى احتفالات أهلنا واتوهم أنها في بلد أوروبي –
المهم قررت ان انهي العام الماضي بقراءة صفحات من كتاب أهداه الي الأستاذ طارق عبد الحميد الكنين بعنوان " العراقيون على طاولة التشريح " والكتاب أشبه بموسوعة تغوص في احوال العراقيين وما جرى لهم، وقد ذكرني الكتاب بالموسوعة التي وضعها العلامة الراحل علي الوردي " لمحات اجتماعية في تاريخ العراق " فالمؤلف يربط بين الحكاية الاجتماعية وبين ظواهر سياسية يعج بها المجتمع العراقي في السنوات الأخيرة وهو يعترف بفضل الوردي في تحديد منهجة لقراءة الحوادث التاريخية او المعاصرة فيأخذنا معه في سياحة طريفة يلتقط فيها الحوادث من هنا وهناك ليقدم من خلالها عرضا ممتعا لكنه يحمل الكثير من الأسى لسلوك العراقيين مستعينا بآراء ومقتطفات لمجموعة من الكتاب الذين رصدوا تحولات المجتمع العراقي. ولأنني مشغول هذه الايام بمتابعة الشأن العراقي العام وماطرا عليه من تحولات خطيرة فقد استهوتني لعبة الأستاذ الكنين وهو يربط الماضي بالحاضر مقدما لنا وثائق من التاريخ تسلط الضوء على صفحات مشرقة أحياناً ومؤلمة أحياناً أخرى من تاريخ الشعب العراقي. من بين الفصول التي تمنيت ان يقراها كل مهتم بالشأن العراقي الفصل المعنون " الفساد في العراق الحديث "حيث ينشر لنا المؤلف عدداً من الوثائق والحكايات لعل اطرفها وابلغها ما جاء في مذكرات المرحوم توفيق السويدي من ان الملك فيصل الأول طلب مبلغا من المال بقصد المعالجة خارج العراق، لكن الوزارة رفضت ذلك قائلة " ان الملك يتقاضى مخصصات ملكية كافية لجميع أموره الشخصية مما يبرر صرف المبالغ اللازمة للمعالجة الطبية من جيبه الخاص ".ومن دفاتر عبد الرزاق الحسني يستشهد بهذا الخبر: حاول الملك غازي ان يقتني سيارة حديثة فاعتذر ناظر الخزينة الخاصة عن تلبية الطلب لعدم توفر التخصيصات اللازمة ويذكر الحسني أيضاً ان توفيق السويدي نائب رئيس الوزراء أراد تعيين شقيقه عارف السويدي رئيسا لمحكمة التمييز خلفا للقاضي الانكليزي " بريشارد " فلم يوافق مجلس الوزراء على طلبه بسبب الشكوك التي تحوم حول استقامة شقيقه حيث خشي المجلس من الغاية التي قد يجتمع الشقيقان من اجلها. وعن نزاهة القضاء العراقي آنذاك يروي لنا المؤلف هذه الحادثة البليغة فيقول ان محكمة البداءة أبطلت قرارا لوزير الداخلية خليل كنة يقضي بعدم فتح سينما الاعظمية، وجاء قرار المحكمة مؤيدا لصاحب السينما باعتباره لم يتجاوز على القانون.ولعل اغرب ما قرأته في كتاب الاستاذ الكنين هذه الحادثة التي يرويها عن رشيد عالي الكيلاني حيث يقول: عند قيام حركة عام 1941 استغل البعض حالة الفوضى والارتباك فقاموا وبمشاركة عدد من أفراد الشرطة بحملة لنهب بيوت اليهود في بغداد حيث انهالوا على اليهود الذين كانوا يحتفلون بعيد النبي " يشوع " ضربا ولكما وجرحا بالسكاكين وقطعوا التيار الكهربائي عن الدور وفتحوا حنفيات الماء وتركوها تجري لكي تغرق المنازل وشمل الفتك حتى النساء والأطفال وكان من جملة المشاركين يونس السبعاوي ومحمد صديق شنشل وامين الحسيني مفتي القدس. حادثة فرهود اليهود يريد لها البعض من " قومجية " هذا العصر بان تتكرر ولكن هذه المرة مع أخوتنا المسيحيين، فكم في التاريخ من المبكيات والمضحكات؟!
العمود الثامن :فرهــــود يتكــــــرر

نشر في: 2 يناير, 2011: 08:26 م







