علي عبد السادةلم يكن العراقيون يهتمون بجلسات البرلمان، ربما من باب التخمة من الكلام. سوى أن رئاسة محمود المشهداني أكسبتها المزيد من المتابعين؛ فالرجل أدار أكبر سلطة في البلاد بالنكتة والمزاح وكان بإمكانه تسفيه نقاشات حساسة عن مشكلات البلاد بتمتمته أغنية هابطة، هذه خلاصة صورة المشهداني وهي ترسخ في أذهان الناس، إنهم لا يعرفونه إلا كإضافة نوعية على لائحة نكات شعبية طويلة.
لكن المشهداني، وحين ضيّفه الزميل سعدون محسن ضمد في قناة الحرة امس الاول، لم يكن يمزح أبدا. ساعدنا، والرأي العام، على حسم الشكوك بأن مطبخاً يديره المتشددون يهيئ عراق ما بعد صدام لنسخة جديدة منه.ونحن نفتتح العام الجديد في أعقاب ختمة "ظلامية" للعام السابق خُنقت فيه الحريات وصعد عاليا صوت قوى الاسلام السياسي مهددا "مدنية" الدولة، بدا لي أن المشهداني الخارج من اللعبة السياسية من بابها الخلفي –او بعقوبة سياسية كما قال هو في البرنامج– يريد ان يعود من نافذة راديكالية هذه المرة، فربما يعجبه لقب "آخر الفاتحين"، ويريد ان ينضم لفاتحي البصرة بمنع سيركها، ومحرري بابل بحظر الموسيقى من فعالياتها، وولاة بغداد بمسخ هويتها وما تبقى من إرثها المدني.المشهداني قال إن "الاسلاميين وصلوا الى السلطة، ومن المحال ان يتنازلوا عن أسلمة المجتمع"، ولاحقا نفى ان يكون هذا من بنات افكاره، وان الامر مجرد استكمال لقفشاته البرلمانية وقال:"هذا اتفاق بين الجميع".نعرف ان المشهداني رجل غلبت عليه "الصراحة" وانه لم يكن يدير جلسات البرلمان بحذر السياسي وحيطة المصرح وحاول بالمزاح والقفشات أن يمنح صراع الفرقاء بعض الرطوبة الفكاهية. لكن، وحين نطالع قوله عن "الوصول للسلطة" فأنه، حتما، يستعير خطابا بدأ بأيام 63 السوداء، مذاك والعراقيون مبتلون بهوس "الوصول" وطغيان "السلطة".عجبا بأي شيء كان المشهداني يعارض صدام، ليحل محله فقط؟لكن رئيس البرلمان الأسبق يجسد، هذه المرة، نموذجا موائما لركب سياسي يقترف منذ إعلان نتائج انتخابات 7 آذار التجاوز على الدستور عبر قتل باب الحريات فيه، انه يقول:"الحريات تعني الانفلات الأخلاقي وإنتاج جيل فاسد".أما انه لا يعرف الحريات أو متضايق منها، أو أن الرجل يغازل، لسبب ما، قوى الإسلام السياسي النافذة، خصوصا وأنهم اليوم يقودون، من مواقع السلطة، حملة تحرير العراق من دعاة المدنية ودولة المواطنة.وبغض النظر عن تنظيراته في الوضع السياسي للعراق وانه بلد سيساوي نظامه ايران زائدا السعودية مقسوما على أثنين!!، وانه سيكون حتما بلدا اسلاميا، فأنه يكشف دون ان يصرح بوضوح الرغبة الخفية لدى قوى اسلامية عراقية بانشاء اقاليم للسنة واخرى للشيعة:"نظامنا يجب ان يكون إسلاميا وسننفذ من الدستور، لكن هناك شيعة وسنة". المشهداني ورغم ان بعض السياسيين سيأخذون حديثه على محمل "الدعابة" وسيقول اسلاميون متشددون ان الدستور يحكم الجميع وان الافكار لن تفرض عنوة على المتنوعين الملونيين ثقافيا واجتماعيا في هذه البلاد وان المشهداني يغرد خارج السرب. رغم ذلك فان حديث المشهداني يعزز الشكوك بأن هوية الدولة المدنية مهددة بخطر راديكاليين برزوا بفضل جمهور مغلوب على أمره أخذته "العصبية" والقهر والحرمان إلى اختيارات تمثيل لم تحسب بالشكل السليم.هؤلاء في وقت يصرح فيه المشهداني بأن العلمانية سحقت في العراق، يعتقدون خطأ بان نظام صدام الفاشي ليبرالي يفصل الدين عن الدولة. انهم بهذا يكيلون بمكيالين؛ تارة يحاربون قيم المدنية لان صدام نموذج علماني، وهذه نكتة باهتة، بينما هم يزودون أسلحة القمع الجديدة من ذخيرة حملته الإيمانية الأثيرة.الخطر القادم في العراق يهدد وجوده وجميع مبررات قيامه، فبعد سنوات العتمة مع صدام يحاك في العلن والخفاء مشروع لتغييبه وإعدام قيم أساسية يقوم عليها التعايش بين الجميع، يقوده أشخاص يلعبون أدوارا مختلفة فيه، وربما لن يكون محمود المشهداني آخر فاتحي العراق المظلم، لكنه، حتى الآن، يلتحق بركب الفتوحات الجديدة.
بالعربي الصريح :محمود المشهداني .. آخر الفاتحين

نشر في: 4 يناير, 2011: 07:21 م







