عبدالله السكوتي تثاءبت المناجل مع صياح الديك، وانبلاج خيوط الفجر الاولى، اوربما كانت تتثاءب، لتستنشق على بعد امتار عديدة رائحة الخبز المنبعثة من تنانير الطين في القرية، وترى النساء وهنّ يمسدن على ظهور الابقار ليستخلصن منهن حليب وجبة الافطار، ومن ثم تستنشق رائحة الشاي المختلطة بهمسات اطراف الليل الاخيرة؛ كان كاظم ينظر الى حماره العجوز وقد وضع (جلاله)
على ظهره، فهرع اليه ابنه:(بويه وين رايح امن الفجر) فقال: (رايح للزرع واريد اشوف الكاع)، فرد ابنه بغضب:(بويه ياكاع هيّه ظلت كاع، موخذوها الحواسم، وهيّه مو كاعنه، جنّه امأجرينها)، لكن الشيخ كان مصرا على امتطاء ظهر حماره ليدور على الارض التي تحمل كثيرا من ذكرياته، ويغوص لمرات عديدة في وحل المدينة الجديدة والتي تم انشاؤها على ارضه التي بدأ بزراعتها منذ سبعينيات القرن المنصرم، والتي صارت جزءا منها شركة الاستكشافات النفطية ابان سنة (1978) بعد ان اكتشف النفط في المنطقة، لكنه استطاع ان يحتفظ بزراعة جزء منها عن طريق استئجارها من الشركة، خالف الجميع وتناول افطاره كعادته، وامتطى حماره، وغاص في الظلمة المختلطة بخيوط الفجر، فهذه اللحظات بالذات تعيده الى الخلف، الى ايام القوة والعمل والانتاج، حين كان يبيت مع محصوله الذي وضعه في اكياس واعده للتسويق، جال حول الارض ورأى الخراب الذي دب فيها، ولاحظ مغادرة الطيور وعصافير الصباح، وحتى نقيق الضفادع كان يحيي بداخله شعورا بالاسى واللوعة، ومن ثم لاحظ الخراب الذي خلفه البناء العشوائي من عدم انتظام الابنية، مايدل على غياب التخطيط والنظام، وهو يبعث الحسرة تلو الاخرى ويردد لو كنت اشتريتها فقد عرضها من استولى عليها بعد سقوط النظام بالف دينار للمتر الواحد، لقد باعها ملاك طارئون بقوة السلاح وكانوا من العصابات، اما المساكين الذين ابتنوا الخرائب فيها، فهم مجبرون، لفظتهم قسوة الحياة والمضطر لا اثم عليه، كما افتى لهم احد الشيوخ ان ارض الدولة مشاع، واستند في فتواه على آية في القرآن كانت تتعلق بالطعام (فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا اثم عليه)، فصارت قاعدة ماحدى بالبعض الى بيع بيته، ليشتري ارض كاظم، لكن الارض بدأت بالاحتجاج حين راحت تخرج مخزونها من المياه الجوفية التي تكونت لعشرات السنين، فاحالت امتعة ساكنيها الى خراب، كل هذا وكاظم يحدث حماره الذي شاركه جزءا من السنين الخوالي وسنين العزلة الاخيرة، ومن ثم يبدأ حكايته حين استجاب الحمار بتحريك اذنيه فقال: هناك حكاية تتكلم عن بعير اكل بعيراً اليك نصها: يحكى ان اعرابيا جاء من قريته الى المدينة، لكي يبيع مالديه من البضاعة المحملة على بعيرين، وعندما باع البضاعة مع بعير واحد، وضع كيس النقود الحاوي على الاوراق المالية مع الخبز على الارض، بالقرب من البعير الاخر، وعندما بادر بالصلاة التهم البعير مافي الكيس، حيث مدّ عنقه واكل الخبز والاوراق النقدية، فلما عاد الى القرية سئل: كان لديك بعيران فرجعت بواحد فقط، فاين الآخر؟ فاجاب بالقول:(ابعير اكل ابعير)، انهى حكايته وراح يدور حول حدود الارض ذاتها يتذكر اول شتلة (رأس خس)، واول شجيرة قطن صغيرة قام بزراعتها عندما قدم من ديالى ليستفيد من قانون الاصلاح الزراعي، وتجادل لمرات عديدة حول حصص الماء مع مسؤول الجمعيات الفلاحية (اخنيفس)، ليصرح بعد ان استولى البعث على السلطة ان الجمهورية فقط هي التي انصفته، ويعني بها ثورة (14) تموز، سلمت عليه فرد عليّ التحية، وهو لايعرفني ولكنه كان كالماضي يسوق حماره برفق ولين، ويعامله كصديق قديم يحتفظ معه بذكريات كثيرة، وهو يردد مشغوفا بحكايته التي لم تفارق شفاهه بعد يخاطب الحمار:(شنسوي ياخويه، ابعير اكل ابعير).
هواء فـي شبك :(ابعير أكل ابعير)

نشر في: 4 يناير, 2011: 08:15 م







