TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > على هامش الصراحة :دروس التربية الدينية

على هامش الصراحة :دروس التربية الدينية

نشر في: 9 يناير, 2011: 05:31 م

 إحسان شمران الياسري ربما لأني نشأت في بيئة فلاحية في ريف الكوت، لم أشهد أنوار المدينة وشوارعها إلا يوم اخذونا للمدينة لالتقاط صور (شمسية) لاستصدار (دفتر الجنسية العراقية) وكان في صورة دفتر وليس بطاقة كما هي عليه اليوم.. وهكذا أخَذَنا الباص الخشبي من ريف مشروع الدجيلة الكبير الى مدينة الكوت في مسيرة لذيذة دامت نحو ساعتين ابتداءً من الرابعة فجرا الى السادسة صباحا..
حيث ألقى الباص الخشبي حمولته (ونحن منها) في ساحة كبيرة تسمى (العلوة) تعج بالحمالين وباعة الخضراوات، وبائعات البيض.. فضلا عن مئات الرؤوس من المواشي المختلفة.. وسرنا، وعددنا يزيد على عشرة بين اولاد وصبايا مع عمي الكبير (حيث كان والدي معتقلا في سجون الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم بعد توقيعه بيانا لدعم السلم في كردستان).. وقد ازدحمنا عند اطراف عباءة عمي في سوق هائل لا نهاية له.. والتقط لنا المصور بآلته الخشبية المعروفة الصور التي لم تزل واحدة منها في دفتر (الجنسية) الذي أحتفظ به.وتعتبر هذه الزيارة الى المدينة، هي الزيارة الاولى التي يختزنها وعيي، ثم زرت مدينة صغيرة عندما أديت الامتحان الوزاري للصف السادس الابتدائي.. ومع ذلك، كان بيتنا، الملاصق لبيت جدي لأمي، يُنار بالكهرباء، يوم كانت دولة اليمن الشقيقة ليس فيها مولدة للكهرباء.. وهذا بالطبع ليس انتقاصاً لليمن الحبيبة وشعبها، لكنه شهادة على وجود مولد كهرباء في احدى قرى الكوت منذ عام 1947.. أقول هذه المقدمة، وأنا أرى إننا اخترعنا مؤخراً تصنيفات للمواطنين لم يعهدها شعبنا من قبل.. فلم أسمع، حتى سقط النظام السياسي في العراق، ان الناس تسأل عن دين هذا الشخص، فضلا عن عدم السؤال عن طائفته بالمرة.. صحيح إن النظام السابق كان يُمّيز بطريقة ما بين الناس في الوظائف والمزايا، ولكن المجتمع لم يكن معنيا بهذا الامر. وانا اضيف لهذا، خصوصية اسرتنا الكبيرة (اعمامي واخوالي واجدادي)، حيث كانت متنورة بالاصل، واضاف لها (ابو كاطع) عمقا اكثر في منهج التفكير، وساهم في تنوير غير المتنورين منها.. لذا فان شعبنا، لم ينشغل يوما بالتصنيفات الدينية او العرقية او المذهبية، بل شغله التصنيف النوعي للناس، بين غيور ومتخاذل، وبين شرّير وخيّر، وبين شريف وباغ، وبين كريم وبخيل، وبين حسود وذي نعمة.. وبسبب هذا الإعراض عن التمييز، جئنا للحياة ونحن لا نعرف عن بعض الامور شيئا، لأن التعليم في بيئتنا، وهي بيئة مسلمة تقريبا، كان مقتصرا على الديانة الاسلامية السمحاء، ولم نعرف عن الديانات الاخرى اي شيء.. وعندما جئت الى بغداد، في الصف الثاني المتوسط، كان صديقي (اركان عتيشا) يُغادر الصف في حصة التربية الاسلامية، وبالتالي لم يتعلم الرجل شيئا عن ديانة اهله وأصدقائه المسلمين.. ولو كان في الصف بعض الاخوة من الصابئة او الأيزدية، لتركوا الصف أيضاً.. وقد حدثني الاستاذ باسم جميل ان حفيدته جاءته بداية العام الدراسي حزينة بعد ان تركت زميلتها حصة التربية الدينية، وتساءلت عن معنى هذا التصرف (حفيدته في مدرسة للمسيحيين وصديقتها مسلمة).وهنا يأتي السؤال المهم.. هل من الضروري ان نتعلم شيئا عن ديانات شعبنا الاخرى، وهل من الضروري لابناء شعبنا من غير المسلمين ان يتعلموا شيئا عن ديانتنا.. إن ترك الطالب المسيحي الصف، هو إعلان عن عدم المشاركة، وترك الطالب المسلم للصف في المدارس المسيحية هو اعلان مماثل.. إن فكرة مغادرة الصف الدراسي تحمل مدلولات عديدة، بعضها مقبول، لأن المدرسة لا تريد إجبار الطالب (من الديانة الاخرى) على ان يتلقى دروسا لا تتفق مع معتقده.. ولكنها بالمقابل، تقول له: غير مسموح لك ان تتعلم ديانتنا وتغترف من فضائلها.. ان الظروف التي يمر بها مجتمعنا العراقي، وخصوصا المسيحيين منه، تقتضي منّا البحث عن المشتركات التي تؤكد وحدتنا.. ولو قُدر لي ان اقترح شيئا في هذا المقام، فهو إنشاء مقرر للمدارس باسم (المشتركات الدينية)، يجلس فيها طلاب الصف معا لتلقي دروس دينية عامة، عن الرسالات والاديان والانبياء والكتب السماوية. ويُنتدب للتدريس في هذه الفصول عدد من الاساتذة من مختلف الديانات. ولا يشترط ان تكون الدروس لمرحلة معينة، بل يمكن ان تكون لعدة مراحل دراسية (أقصد المنهج).. مثلا يبدأ هذا المقرر من الرابع الابتدائي والى نهاية الابتدائية. ومقرر آخر للمرحلة المتوسطة.. وعندها، يأتي احد القساوسة الاكارم لإلقاء محاضرة اسبوعية.. واستاذ آخر من الاخوة الصابئة، فضلا عن استاذ في التربية الاسلامية.. لأن الهروب من حقيقة إننا معا في الوطن، بصرف النظر عن دياناتنا، هو الذي سهّل على بعض الخارجين على القانون أقناعنا بالاطمئنان على مصائرنا (نحن المسلمين) طالما ان القتل يستهدف المسيحيين فقط، وسهّل في مواضع اخرى اقناع المسيحيين بالأمان طالما ان القتل يستهدف المسلمين.. وسهّل للخارجين على القانون إقناع المسلمين السُنة بأنهم بأمان طالما ان القتل يستهدف الشيعة، ثم سهلها عليهم عندما اقنعوا الشيعة بأن القتل يستهدف السُنة.. وهكذا.ولو كُنّا نكترث بإرث الانسانية وبإرثنا، دون ان نلجأ للتجزيء، وتوسيط بعض المدلولات الجزئية على العموميات والمشتركات، لما تجرأ باغ للّعب معنا وسحب اهلنا واحدا واحدا للقتل والتهجير ونحن مطمئنون لأننا غير مستهدفين!rnihsanshamran@yahoo.com

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الكهرباء تحدد موعد تشغيل الربط الخليجي ومنصة الغاز.. والجباية ترتفع إلى 44%

من التراث العالمي إلى العطش.. أهوار ميسان تحتضر

غبار كثيف يجتاح البلاد السبت.. نصائح عاجلة

هيئة النزاهة تشكل فريقاً للتحري عن حادث الزعفرانية

واشنطن تهرب آلاف أجهزة "ستارلينك" إلى إيران سرًا

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram