حازم مبيضين مع نهاية هذا الأسبوع ستبدأ مرحلة جديدة من حياة السودانيين تتسم بالغموض، رغم تصريحات الزعيم الجنوبي سالفا كير عن التعايش السلمي، وإعلان عمر البشير عن احترام إرادة الجنوبيين، ذلك أن هناك الكثير من الملفات العالقة بين شمال السودان وجنوبه الذي يستبق نتائج الاستفتاء بسن قوانين جديدة لمواجهة أوضاع ما بعد الانفصال، في حين يتنبأ البشير
بأن يعاني الجنوب الكثير من المشاكل لافتقاره إلى مقومات الدولة، ويكشف عن أولى المشكلات المقبلة بإعلانه أن الجنوبيين المقيمين في الشمال سيعاملون كأجانب، مشترطاً لعدم القيام بذلك أن يظل السودان موحداً، وهو يرفض بشكل قاطع مسألة ازدواج الجنسية، ويؤكد على استبدال الموظفين الجنوبيين في الإدارات العامة والجيش وقوات الأمن بآخرين من الشمال. اليوم لن يعود السودان أكبر الدول الأفريقية مساحة، والخرطوم تحاول من خلال دعم ميليشيات مناوئة للجيش الشعبي، إشاعة البلبلة في الجنوب، الذي تحاول قيادته استمالة هؤلاء، لمنع تفجر الأوضاع في الدولة الوليدة التي يشكك البعض بطبيعتها، ويعتقدون بخروج أول دولة فاشلة في العالم قبل ميلادها، ذلك أنه بالرغم من مرور خمس سنوات على الحكم الذاتي، يعيش أو يعمل عدد كبير من النخبة في خيم أو حاويات شحن، في حين تزدحم شوارع جوبا بالسيارات الفاخرة، حاملةً متعاقدين أمنيين يستمتعون بأحواض السباحة، ويتناول عمال الإغاثة سلطة الإخطبوط على شرفة مطعم يوناني، وتنتشر الدعارة في جوبا وهي عاصمة الدولة العتيدة، التي تضم ستة مراكز للدعارة تعمل فيها أكثر من ألفي فتاة.الخرطوم تتهم الامبريالية الأميركية بدعم انفصال الجنوب، لكن نظام عمر البشير يحاول تغطية الدور الذي لعبه للوصول إلى النتيجة التي باتت حتمية، والمؤكد اليوم أن معظم سكان الجنوب سيختارون ترك البلد الذي يهيمن عليه الشماليون، الذين أتقنوا فن تهميش الآخر والتعالي عليه وظلمه، غير أن ارتفاع علم جديد في سماء القارة السوداء الأحد المقبل لا يعتمد نتائج الاستفتاء وحدها، وسيكون علينا انتظار موقف البشير المعروف تاريخياً بعدم الالتزام بوعوده، وبديهي أن تواجه دولة الجنوب مشاكل سياسية واقتصادية وأمنية، وعليها إدراك أن دولة الشمال تستطيع زعزعتها، غير أن دولة الشمال نفسها ستواجه بعد الانفصال مشاكل كثيرة، أهمها أصداء انفصال الجنوب على مشكلة دارفور والمشاكل المتعلقة بالمناطق المتداخلة مثل ابيي وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.اليوم تتعالى الأصوات منددة بانفصال الجنوب، باعتبار ذلك هدفاً إسرائيلياً، ويجهل أو يتجاهل أصحاب هذه الأصوات أن الجنوبيين يفضلون الانفصال، بسبب محاولة فرض العروبة والإسلام عليهم، بينما كانوا يتعرضون لحرب المتاجرة بهم كرقيق، ويتم إقصاء سياسييهم عن الكثير من الأمور التي لها علاقة بالحكم، ولا يحصلون على وظائف تتناسب مع عددهم، وتغييب التنمية عن مناطقهم، فيما تواصل سياسات الخرطوم محاولاتها فرض هويتها دون أدنى اعتبار للمجموعات غير العربية، التي ترى أن الوطن لا يتطلب بالضرورة فرض ثقافة واحدة أو دين واحد أو لغة واحدة على جماعات منقسمة بعمق إثنيا أو دينياً أو ثقافيا، لأن الشعوب ليست معادن قابلة للتذويب والانصهار في أي وقت. يقول سياسي جنوبي إن الوحدة القائمة اليوم تشبه الوحدة بين الحصان والرجل الذي يمتطي ظهره طوال حياته، ويقترح إن كان هناك إمكانية للوحدة إعادة النظر في تحديد هوية السودان، وإعادة صياغة الدولة بنظام علماني ديمقراطي يتساوى الجميع تحته في الحقوق والواجبات والتوزيع العادل للسلطة والثروة. ولنا أخيراً أن نسأل (كم علماً جديداً سيرتفع في سماء عالمنا العربي لو كان لحق تقرير المصير أن يأخذ وضعه الطبيعي؟) وأظن أننا جميعاً نعرف الجواب.
خارج الحدود :علم جديد فـي سماء أفريقيا

نشر في: 12 يناير, 2011: 07:17 م







