TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > "الجنة والنار".. وانعكاس لذّة العنف والبكاء

"الجنة والنار".. وانعكاس لذّة العنف والبكاء

نشر في: 29 سبتمبر, 2024: 12:01 ص

قحطان الفرج الله

لا شك أن مسلسل "الجنة والنار" حقق نسب مشاهدة عالية، لكنه، كما أشار الفنان محمود أبو العباس، لا يمثل قفزة نوعية في الدراما. وهنا، لا أرغب في التقليل من الجهد الدرامي أو التمثيلي للعديد من الفنانين الذين أدوا أدوارهم بمهارة عالية. لكنني سأترك التحليل الدرامي المفصّل للنقاد المتخصصين، فذلك ليس غايتي وليس لدي المعلومات الكافية عن الانتاج وما اكتبه مجرد انطباعات نقدية سريعة.
رغم النجاح الجماهيري، فإن المسلسل يفتقر إلى المونولوجات الداخلية، والى فقر واضح في اختيار (مواقع التصوير) ومشاهد الطبيعة، كما أن الحوارات تبدو غير طبيعية وتفتقر إلى التماسك. هذا بالإضافة إلى ضعف واضح في مجال الأزياء والإضاءة، وفوضى تامة في الحوار، الذي يبدو أحيانًا أنه يُبنى داخل مخيلة المتلقي بطريقة غير مدروسة.
الاعتماد على الحالة الانفعالية للممثل التي ظهرت في كثير من الأحيان بشكل مبالغ فيه للغاية من خلال الارتجال الانفعالي يصل الى حد غير معقول وغير منطقي!!!! واظن ان المخرج (مصطفى الركابي) حاول الاستفادة من الطرق الارتجالية في التشابيه الحسينية، ولكن ارتجال التشابيه الحسينية مختلف تماماً عن ارتجال ممثل درامي يعالج قصة، لسبب بسيط جداً ان التشابيه الحسينية مبنية على مخيلة عقائدية وعلى قصة تشكل مرتكزًا اساسيًا في ضمير الناس الديني في العراق والعالم فهذه غير تلك …وربما الأستاذ الدكتور ياسر البراك هو من أوحى بها، لأنني أذكر أني قرأت له مدونات قديمة في التسعينات عن المسرح الحسيني وكانت في غاية البراعة التوظيفية في وقتها.
والمسألة الأهم والاخطر في توظيف (العور) على أنه أحد أكبر علامات الشر شيء يدعونا للوقوف والاعتراض بشكل كبير فهو توظيف اخراجي غير مقبول وينتقص من جمهور من البشر لاذنب لهم أنهم فقدو أحد عيونهم!!!!
أما النهاية الدرامية، فقد خيّبت الآمال بشكل كبير، حيث كسرت أفق التوقعات بمعالجة سطحية وإسقاطات غير موفقة بين قصة (بيت هاشم) (وبني هاشم)، وبين (بيت فرج) (وبني امية) وبين الشخصيات التاريخية مثل (حيدر هاشم) الذي لم تبنى شخصيته دراميًا بشكل يقنع الجمهور بأنها شخصية مثالية تتمتع بالسلوكيات المنضبطة والمواقف التي يعززها البناء الدرامي في عمل الخير والسعي في نشره وابتسار موضوع الشخصية على الصراع والصراع فقط مع عمه فرج، اسقاط ذلك ومقاربته على شخصية مهمه في وجدان العراقيين مثل الإمام الحسين (ع)، (وزينب هاشم) و(السيدة زينب بنت علي) (ع)، إضافة إلى الإسقاط على قضية السم الذي تعرض له الامام الحسن (ع) من زوجته وشخصية (محمد كبير بيت هاشم) التي تميل إلى التصالح وعدم الاقتتال شيء غير موفق في رأيي…
كما أن الاسقاطات على حوارات اصدقاء حيدر في المسلسل وحوارات أصحاب الإمام الحسين (ع) جاءت مفككة وبسيطة وغير موفقة أيضًا، ولعدة اسباب أولها واكثرها مباشرة ((توظيف الشعائر الحسينية) بدلا من الموسيقى التصويرية!!!! وهنا تكاد تقترب المشاهد من السذاجة القروية أكثر من كونها مشهدًا دراميًا فنيًا ناضجًا.
اما شخصية فرج التي اداها الممثل (سنان العزاوي) وهو ممثل موهوب جداً ولديه امكانيات ممتازة، ولكن ترك الحبل على الغارب ارتجاليا لا يخدم العمل الفني بشكل مقنع فنياً ولا يظهر أجمل ما في الموهبة التمثيلية وهذا دور الاخراج قطعًا….
وهنا أود ان اطرح السؤال التالي …. لماذا اخذ هذا المسلسل كلّ هذا الصدى والحضور؟؟؟ والجواب ببساطة وليس تجنيًا: هو أن الجمهور العراقي يميل إلى مشاهدة الأعمال التي تركز على البكاء والنحيب، ويجد في زاوية المظلوم نوعًا من المتعة واللذة (وقد شخص الدكتور على الوردي ذلك بشكل ممتاز وطرح العديد من الظواهر الاجتماعية وشرحها). وهذا تحديدًا ما غذّاه المسلسل بشكل كبير، وأصبح العمود الفقري للعمل بأكمله.
"إن الميل إلى الكآبة والحزن ليس مجرد ظاهرة عابرة في الوجدان العراقي، بل هو جزء متأصل في النسيج الثقافي والروحي لهذا المجتمع. عبر التاريخ، تشكلت الهوية الجماعية للعراقيين على وقع التحديات المتكررة؛ من الحروب والغزوات إلى الفقر والحصار الاقتصادي، والاضطرابات السياسية. ووسط هذا السيل الجارف من المعاناة، لم يجد الفرد العراقي ملاذًا إلا في الكآبة، ليس كحالة مؤقتة، بل كمصدر للتماهي والهوية. فالكآبة هنا ليست مجرد شعور سلبي، بل هي حالة وجودية يعيد من خلالها المتلقي بناء ذاته وتحديد موقعه في العالم.
إن الفرح، بالنسبة للعراقي، يحمل في طياته شعورًا مؤقتًا و زائفًا، ونذيرًا بالشر القادم حتى أنهم يتبعون كلّ ضحكة (اللهم اكفنا شرها)!!! بينما تمثل الكآبة نوعًا من العمق والاستقرار الروحي. فهي تمنحه فرصة للتفكر في مأساة الوجود والحياة. ولعل ما يبرز هنا هو فلسفة المظلومية التي تشكل جزءًا محوريًا من الثقافة العراقية؛ فالمتلقي العراقي يجد في تمثيل المظلومين وفي الحزن العميق قوة تعزز من انسجامه مع ذاته، وتربطه بجذوره التاريخية والثقافية. فكما قال الفيلسوف الألماني شوبنهاور، 'المعاناة هي جوهر الحياة'، وهذا ما يبدو أن العراقي قد استوعبه جيدًا وأعاد تشكيله في تفضيله للأعمال الدرامية والأدبية التي تغذي هذا الشعور.
من هذا المنطلق، فإن حب الكآبة ليس ضعفًا، بل هو استجابة فلسفية متعمقة لحقيقة الحياة في سياق المجتمع العراقي. إنها قوة تجعل المتلقي العراقي يستمر في مواجهة عالمه المليء بالتحديات، حيث يجد في الحزن عمقًا وصدقًا لا يمكن أن يقدمه الفرح المؤقت."

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

 علي حسين يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي...
علي حسين

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

 لطفية الدليمي هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا...
لطفية الدليمي

قناطر: ماذا بعد الحرب الأخيرة؟

طالب عبد العزيز أمرٌ يحزُّ في القلب ما تنوي فعله الاساطيل الامريكية بايران، الشعوب الإيرانية تستحق الحياة، والبلاد العظيمة؛ بجغرافيتها المتنوعة الجميلة؛ وتاريخها العريق، وما بيننا من مشتركات دينية، وإنسانية تقف بأعيننا، والله؛ نحن...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

سعد سلوم (2-2) في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram