TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > الحريات المدنية وحمايتها

الحريات المدنية وحمايتها

نشر في: 8 ديسمبر, 2012: 08:00 م

تعتبر الحرب العالمية الثانية التي شاركت فيها زهاء سبعين دولة واستمرت وشهدت سنواتها الطويلة  معارك ضارية جعلت منها الحرب الأشمل والأكثر كلفة في تاريخ البشرية ، فقد شارك فيها أكثر من 100 مليون جندي وراح ضحيتها حوالي 70 مليون من البشر ،أي ما يعادل حوالي 2% من سكان العالم حينها. هذه الحرب كانت السبب والدافع الرئيسي الذي انطلقت منه فكرة إيجاد ميثاق عالمي من شأنه أن يحترم حقوق الإنسان ويحافظ عليها في عالم تتسارع فيه
 خطوات الباحثين والمتلهفين لفرض آرائهم ومصادرة حقوق الآخرين بالقوة .

لهذا سعت الأمم المتحدة التي تأسست بعد انتهاء الحرب لتضم في عضويتها جميع دول العالم من أجل إحلال السلام وتعزيز التنمية والتعاون بين الدول ، وبنظرة عامة على ميثاق الأمم المتحدة الذي تمت المصادقة عليه في تشرين الأول عام 1945 نجد بأن الفقرة الثالثة من المادة الأولى في الميثاق تؤكد على "تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية  للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء"، وهي المادة التي انطلقت منها مبادئ ومواثيق ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية لاحقا.
وبما أن ميثاق الأمم المتحدة تبنى حقوق الإنسان فإن هذا فتح الباب على مصراعيه  لبلورة أفكار من شأنها أن ترتقي بحقوق الإنسان لما هو أسمى من ذلك عبر البحث عن مفاهيم جديدة ومعالجات أكثر للكثير من الخروقات التي تعرض لها البشر وما يمكن أن يتعرض لها مستقبلا، لذا جاءت فكرة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، هذه الفكرة ابتدأت بلجنة عالمية ضمت الكثير من المختصين والمفكرين ، هذه اللجنة قدمت مسودة في حوالي 400 صفحة إلا انه لم يكن من الممكن إقرارها لصعوبة تداولها وشمولية تفاصيلها، فتم اختصارها مع المحافظة على مضامين أفكارها لتكون في 30 مادة واضحة ومحددة وصريحة وشاملة في نفس الوقت ، وصدر الإعلان في 10 ديسمبر عام 1948م في قصر شايو بباريس ليمثل أول وثيقة حقوقية دولية شاملة.
 وما يميز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه أصبح مرجعا للعديد من الوثائق الحقوقية التي تلته تباعا وشكل مع وثيقتي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبروتوكولات الملحقة بهما أساس الشرعية الدولية لحقوق الإنسان،وبات معيارا لتقدم البلدان وشفافيتها في هذا المجال .
وقد حرصت الدول الديمقراطية على احترام حقوق الإنسان خاصة ما يتعلق منها بحرية التعبير واحترام الرأي والرأي الآخر ، وبالمقابل فإن الكثير من النشطاء والمنظمات الدولية المهتمة بهذا الشأن تصدر تقاريرها السنوية عن مستويات ارتفاع أو انخفاض تطبيق معايير حقوق الإنسان في مؤسسات هذه الدولة أو تلك ، وعادة ما تجابه هذه التقارير بالرفض أو محاولة تسييسها من قبل البعض خاصة إذا ما تعلق الأمر باستخدام حقوق الإنسان كوسيلة وذريعة من بعض الدول الكبرى ضد دول أخرى .  
ونجد في العراق بأن مفاهيم حقوق الإنسان مازالت في بداياتها كثقافة وممارسة وتحتاج لفترة من الزمن حتى تترسخ وتصبح ذات فعالية كبيرة في المجتمع ، خاصة وإن بلورة هذه المفاهيم تحتاج إلى تنشئة المجتمع وتثقيفه من خلال ممارسات فعلية ، لاسيما  أن حقوق الإنسان تكتسب ولا تلقن ، لأنها عبارة عن فعاليات وممارسات حياتية يومية .
لهذا نجد بأن ثمة  تحديات تواجه عمل منظمات حقوق الإنسان في العراق أبرزها بالتأكيد قلة هذه المؤسسات ومحدودية انتشارها على الرقعة الجغرافية للبلد من جهة ومن جهة ثانية محدودية الإمكانات الموجودة منها واعتمادها على الأطر التقليدية الكلاسيكية التي لا ترتقي لما وصل إليه العالم من تقدم في هذا الميدان .
والجانب الآخر والأكثر أهمية يتمثل في تكامل أضلع العمل الحقوقي التي تتمثل بالإنسان والمجتمع والنظام السياسي ، وهذا التكامل من شأنه أن يتيح المزيد من الحريات التي من شأنها أن تنتج مجتمعا يحمي حقوق الإنسان ولا يتجاوز عليها .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ندوة في بيت المدى تناقش تطوير شارع الرشيد ضمن مبادرة "نبض بغداد"

بعد مغادرة الوفود.. إيران تتحدث عن تقدم وأميركا متحفظة

تقرير أميركي: هل يكرر ترمب أخطاء بوش في العراق؟

العراق يعرب عن تحفظه تجاه مواقف الدول الثلاث

التربية تعلن نتائج الامتحانات التمهيدية للدراسة المهنية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

 علي حسين كان إبراهيم عرب أشهر "منكّت" عراقي ، قبل أن يتخذ السادة أعضاء مجلس النواب العراقي تلك المهنة والامتياز ، وبسبب طرافته وطيبته كان رواد المقهى التي يملكها يتعاطفون مع رواياته ،...
علي حسين

كلاكيت: نتفليكس.. غيّرت قواعد اللعبة أم أفرغت معناها؟

 علاء المفرجي لا خلاف على أن Netflix قطعت شوطًا غير مسبوق في عالم السينما، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس حجم هذا الشوط، بل ثمنه. فخلف سردية "الديمقراطية البصرية" و"تحرير المشاهدة"، تختبئ تحولات...

التصحر: معركة العراق الخاسرة

حسن الجنابي يمنح موقع العراق الجغرافي البلاد تميّزاً واضحاً على أكثر من صعيد، ولا سيما مناخياً وهيدرولوجياً. فهو يشكّل منطقة انتقالية بين الصحراء الجافة الحارّة غرباً، والجبال الرطبة الباردة شمالاً وشرقاً، فيما يمثّل نهرا...
حسن الجنابي

عراقيّ.. مفوضاً أمميَّاً سامياً للاجئين!

رشيد الخيّون لم يألف العراقيون، في العقود الأولى من عمر العِراق الحديث، اللجوء والنزوح، إلا ما ندر، عدا الاغتراب المؤقت للدراسة والتّجارة؛ فالاغتراب عند العِراقيّين حالة وجدانيَّة؛ قبل أن تعصف بهم السياسة ويذهبوا «أيدي...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram