TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: البصرة المبتلاة بأنهارها الثلاثة

قناطر: البصرة المبتلاة بأنهارها الثلاثة

نشر في: 3 نوفمبر, 2024: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

مالم تحسم حكومة البصرة المحلية أمر الأنهار الثلاثة التي تخترق وسط المدينة من الطول الى الطول، وتجعلها نظيفة وسالكة في المد والجزر، وإيجاد وسيلة عملية لتطهيرها، وحجب مياه الصرف عنها سينظر لها بوصفها مقصرة وعاجزة، إذْ أنَّ أمر الأنهار الثلاثة القبيح هذا بالذات سيغطي على كل منجز خدمي لها، فمنظر الماء الأسود فيها والرائحة العفنة والنفايات التي تجوب شواطئها مثار تقزز البصريين وزائري المدينة على حدٍّ سواء. ومالم تحسم القضية المستعصية هذه ستكون كمثيلاتها من الحكومات السابقة، التي همّت بتنظيفها لكنها لم تفعل.
يحقُّ للمواطن البصري القول بأنَّ إجراءات وزارتي الزراعة والموارد المائية والري في البصرة هي الأدنى بين جميع المحافظات، ففي زياراتنا لأي مدينة من مدن الفرات الأوسط نرى جهوداً واضحةً، تصبُّ في صالح الزراعة والمشاريع الاروائية، وهناك حملات تكتيف وتبطين للأنهار، وهناك حُرمات أرضية متروكة لأعمال الكري والتنظيف، وبما يجعل من مياه السقي نظيفةً، وبالمتناول، وبمعنى ما فأن الحكومات المحلية هناك وبالتعاون مع الوزارتين جعلت من قضية الأنهار والمياه والزراعة واحدة من مهامها الرئيسية. أما في البصرة فلعنة النفط وتكالب الشركات النفطية على العمل في حقولها جعل من فضائها الأسوأ في العالم، ومن الحياة فيها ما لا يودّه ويتمناه أحد، حتى توطن السرطان في أجساد أهلها، فالهواء فيها فاسد ملوث، والأرض سبخة مالحة، والماء آسن ومج. غادرتها الاطيار بعد أن تيقنت بأنها لا تصلح لها وجهةً، ولولا المدن السكنية التي باتت سكناً لأصحاب الملايين، والتي يعجز عن شرائها البسطاء وذوو الدخل المحدود، ولولا الشوارع الجديدة وبعض مظاهر المدنية لما صلحت لسكن أحد.
أرسل لي أحدُ الأصدقاء مقطعاً مصوراً من مدينة حلبجة، بالسليمانية يستعرض فيه مهرجاناً للرمان، في مشهد جميل للناس وهم يتبضعون ويتجولون، كيف لا والمدينة معروفة بزراعة الرمان، ومثل هذا يصار دائماً الى مهرجانات للتمر في دول الخليج، وأخرى للعنب والعرق في زحلة، بلبنان، والزيتون في تونس، والنبيذ في تسوكانا بإيطاليا وغيرها من المدن، حيث يشهد الناس على اهتمام الإدارات المحلية بما يزرع وينتج في بساتينهم، وبما ينعكس ايجاباً على الحياة.
كان منظر القناة الصناعية التي رأيتها في مدينة سيت بجنوب فرنسا قد خلبني، بمائها الصافي الرقراق، مع أنه ماء بحر ومالح، وكان مشهد القوارب المركونة على شاطئيها، بألوانها وصواريها أكثر من مدهش ورائع، وبما جعلني أنظر بحسرات لا حدود لها الى مشهد نهر العشار، الذي أمسى مأوىً للجرذان، ونهاية مريعةً للكلاب والقطط في الليل، بعد أن كنتُ شهدته قبل خمسين عاماً وهو ينساب بماء أقل تلوثاً، ومكانا لصيد الأسماك، ومسبحاً للفتيان في الصيف.
لا أعتقد بأنَّ معجزةً تحول دون تنظيفه، ومنع مياه الصرف الصحي عنه، ولا أحدَ من البصريين يعرف السبب الذي يحول دون تطهيره. هذه المدينة تعوم على بحر من النفط والغاز، وينتفع من مالها الشفيع والوضيع، الشريف واللص، العربي والكردي، والمقيم فيها والخارج منها، ويتحدث زائروها عن إمكانية صيرورتها كوجهة سياحية!! هل سيحلم البصري يوماً ويرى أنهار مدينته الثلاثة الخندق والعشار والخورة نظيفةً، خاليةً من النفايات، ممنوعة على الجرذان والقطط، مزدانة بالقوارب العشارية، ولا يتنفس الجالس على ضفافها رائحة كريهة، أيكون اليوم ذاك بعيداً، أم أنَّ الحكومة المحلية تراه قريباً؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

 علي حسين يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي...
علي حسين

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

 لطفية الدليمي هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا...
لطفية الدليمي

قناطر: ماذا بعد الحرب الأخيرة؟

طالب عبد العزيز أمرٌ يحزُّ في القلب ما تنوي فعله الاساطيل الامريكية بايران، الشعوب الإيرانية تستحق الحياة، والبلاد العظيمة؛ بجغرافيتها المتنوعة الجميلة؛ وتاريخها العريق، وما بيننا من مشتركات دينية، وإنسانية تقف بأعيننا، والله؛ نحن...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

سعد سلوم (2-2) في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram