TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: نحلُمُ الواقعَ، نجعله ممكناً

قناطر: نحلُمُ الواقعَ، نجعله ممكناً

نشر في: 6 نوفمبر, 2024: 12:04 ص

طالب عبد العزيز

نحن لا يمكن أن نكتبَ عن شيءٍ لا نملك إزاءه أيَّ شعور! لا أعرف أينَ قرأتُ هذه الجملة؟ لكنني، فكرّتُ مرةً بمن يستطيع التقاط رنّات الجرس، أو تعقّب وهدايةَ نجمةٍ ضلت طريقها الى السماء، وهكذا، كنتُ أحدِّثُ القلم عمّا يدور في رأسه، لا ما في رأسي، مستعيناً بجملة بورخيس:" المصادفة وحدها هي التي جعلت مني كاتباً ومنك قارئاً" أفكارٌ مثل هذه لا يمكن إلا أنْ تكونَ واقعيةً، وإنْ بدت شعرية. أشفقُ على الذين يتعاملون مع الأشياء بواقعية، غير متنبهين إلى عظمة الحلم والخيال. ليس الشعرُ من يحرضنا على صناعة القول هذا حسب، الشعرُ يجعلنا نحلمُ الواقع، وإلا كيف نتعامل مع جملة سيلفيا بلاث التي تقول:" صامتٌ مثل اللفت في الرابع من تموز" هل بيننا من يقدر على رفض الجملة هذه؟
قبل نصف قرن، كنتُ قد حلمتُ حلماً غريباً وجميلاً أيضاً، سأحاول روايته بما أستطيع، مع يقيني بأنني لن أبلغَ روايته حقَّها في الجمال والخيال. بدا الحلم هكذا: كما لو أنني كنتُ واقفاً على جسر، والماء يجري سريعاً، أو، لا، لم يكن سريعاً جداً، لعله كان بطيئاً، لكنَّه يسير باتجاه الجنوب، وهذا أكيد. كان الموسم ربيعاً، والماء مدُّ كثير، وكنتُ أمسك بيدي وردةً حمراء، هل كانت حمراءَ؟ لا أعتقد، هي وردية إذن، وكمن يلهو مع حلمه، كنتُ أخلعُ من الوردة وريقةً تلو أخرى وألقي بها في الماء، فيأخذها المدُّ، حتى اصطفت الوريقات، واحدة إثر أختها، هل انتظمت؟ وهل تفرقت؟ لا أذكرُ. لم أكُ حزيناً، وربما لم أكن سعيداً جداً، لكنَّ الغريب في الحلم أو بواقع الوريقات فيه، هو أنَّ كلَّ وريقة حمراء أو وردية استحالت الى إوزة بيضاء صغيرة، بذيل فيه نقاط حمر، حملها الماءُ بعيداً عنّي، في مهرجانٍ للألوان، لم أحظَّ بعد ذلك، لم تختف الإوزات عن عيني من الليلة تلك الى اليوم، ظلَّ المدُّ يجرفها لكنها لم تختف، كنتُ اتنفسُ الماءَ الذي سيحملني على ظهره ذات يوم.
يدافعُ تيد هيوز عن كتابة بعض قصائده بأنَّها كانت تشبه ما كان يفعله في طفولته، فقد كان يصطاد الفئران، ويضعها في معطفه! وكتابة القصائد عنده نوع من اصطياد الحيوان. ثم أنني علمتُ بأنَّ خالته كانت قد اشترت له شيئاً من الطين الاصطناعي، فراح يملأ حديقة البيت بما يصنع من حيوانات. لا أعرف كيف قفزت الى رأسي إحدى الوقائع. كنتُ طفلاً تأخذني أمّي الى بيت أختها، بمحلة أمِّ الدجاج، التي في العشار، بالبصرة، قرب سوق الخضار والفاكهة. زوج خالتي كان ميسوراً يعمل في الكويت، ويأتي لابنه(مكّي) الذي كان بعمري تقريباً العاباً كثيرةً من هناك- لم أقتن واحدة في حياتي- كيف لي ذلك؟ أنا ابن فلاح، والطين حوالينا كثير، أنا لا أشتري الألعاب، أنا أخلقها، ثم أنني كنتُ أملأ البيت بحيواناتي. بدا لي أنّ خالتي كانت بخيلةً فهي تجعل ألعاب ابنها في رفٍّ عالٍ، كلما فرغ من لعبته الجديدة، وهكذا صار لديه عدد لا يُحصى من الألعاب الملونة.
مع أنني كنتُ أغبطه على كثرة ألعابه، فقد حدث أنْ لهوت معه في لعبة سائق الدراجة النارية، التي تعمل بالكوك، إلا أنني كنتُ أنظر فيه عجزه عن خلق واحدة منها، هو يحتفظ بها، وأنا أعيد خلقها. يقول تيد هيوز بأنَّ الشعر لا يُصنع من أفكار وخيالاتٍ عابرة، إنّه يُصنع من التجارب، التي تغيّر أجسادنا وأرواحنا. اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود، أجدني مثل من سُخّفتْ الحياةُ أمامه أكثرَ من مرّة، بعد أنْ ظنَّها ممكنةً، لكنّه، فجأة وجدَ سحّاب بنطاله مفتوحاً، والمرأةُ التي انتظرها في محطة القطار لم تعد بقميصها ذاك! لذا، فأنا لا أمانعَ إنْ القى أحدُهم نظرةً على جثتي.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

 علي حسين يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي...
علي حسين

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

 لطفية الدليمي هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا...
لطفية الدليمي

قناطر: ماذا بعد الحرب الأخيرة؟

طالب عبد العزيز أمرٌ يحزُّ في القلب ما تنوي فعله الاساطيل الامريكية بايران، الشعوب الإيرانية تستحق الحياة، والبلاد العظيمة؛ بجغرافيتها المتنوعة الجميلة؛ وتاريخها العريق، وما بيننا من مشتركات دينية، وإنسانية تقف بأعيننا، والله؛ نحن...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

سعد سلوم (2-2) في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram