TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > لقطة ديزفولية في المتنبي

لقطة ديزفولية في المتنبي

نشر في: 8 ديسمبر, 2012: 08:00 م

نبدو متهورين أحياناً حين نتحرش بنرجسية الشعب، والصديق سعدون ضمد يطالبنا بضرورة ان نقف بشجاعة أمام المرايا كي نرى ذواتنا بمختلف الاوضاع. إن وضع قواعد لفهم ذواتنا ليس أمرا ترفيا، كما ان نقد الشعب المحكوم، لا يقل اهمية عن نقدنا للسلطان الحاكم.

لكنني لن انتقد الشعب اليوم (حتى لا يزعل ابناء الشعب)، بل سأنتقد نفسي وجماعتي الذين يقرأون كتب فوكو وقصائد عزرا باوند، امام "فتحة المجاري" او "البلوعة" في قيصرية شارع المتنبي الشهيرة.

اللقطة التي اراها منذ عشرة اعوام في القيصرية المقابلة لمقهى الشابندر، تحيلني الى مشهد في مخيم اللاجئين الذي عاش فيه اهلي ١١ عاما تقريبا. على اطراف ديزفول كان شباب انتفاضة ٩١ يشعرون بخيبة امل وينكفئون على انفسهم في شارع ١٠ بمخيم "اشرفي اصفهاني". ايران وضعت الجميع في قفص لا يخرجون منه الا بترخيص رسمي (صارت الامور اسهل بعد مرور سنوات) وكبار السن يفترشون الارض امام سقائف تسكنها عوائل اللاجئين. وامام السقائف هذه تمر "ساقية" بعرض ٢٠ سم، لتصريف المجاري. الشيوخ والشباب يجلسون على طرف "الساقية" اذ لا مكان آخر لتنظيم هذه "الندوة اليومية" ويخوضون سجالات ويبكون قتلاهم في كل الحروب واحيانا يسردون احلى ذكريات الوطن من كل الحقب. الجلسة هذه استمرت 12 عاما حتى اسقاط صدام من قبل امريكا. كانت جلسة شعور بالعجز تتحاشى التفكير بالمستقبل الغامض والمخيف، فيها شعور بالخذلان ينتاب الجالسين على طرف ساقية المجاري، خاصة حين يحدقون في الديدان "السلابيح" التي تعوم في مياه المجرى ولا تدري ماذا يجري في الكون الفسيح خارج مجراها الخاص!

عام 2003 انتهى عجز اللاجئين المحتجزين وعدنا جميعا الى المنزل الاول. لكنني حين احسب مرور 10 اعوام على خلع الدكتاتور، اجد نفسي وقد انتقلت من ندوة تطل على عالم الديدان الديزفولية، الى ندوة اسبوعية نتبادل فيها اخبار سوق النشر والكتابة ونشرب الشاي الطيب، لكننا نطل ايضا على بالوعة او عدة بلاليع، منتشرة في القيصرية التي تمنحها مكتبة "كريم حنش" وأرواح الاصدقاء معنى كبيرا وجميلا، بينما نعجز جميعا عن ايجاد حل لارضيتها الغارقة بمياه غسل الاواني ومخلفات بسطية الشاي اللذيذ.

احيانا اجلس مصغيا باهتمام للافكار المهمة التي يناقشها اصدقاء قادمون من لندن او السويد او الكرادة لحضور منتدى القيصرية الاسبوعي العفوي، وألمح من بعيد مرتادي مكتبة الحنش واتخيل ارواح الوراقين العباسيين قادمة من جهة المستنصرية او مرقد الحارث المحاسبي، لتتابع اخبار سوق النشر. في زاوية المكتبة لطالما تخيلت شبحا لابن النديم واخر للسجستاني ينصتان لحديث الدكاترة والاساتذة حول اخر ما نشره العجم والعرب.

لكنني احدق في الارض الوسخة والبناء المهلهل وانعدام النظام، انه مكان مسكين يجلس فيه احلى مثقفي البلاد، دون ان يعترضوا او يشمئزوا. ان لدينا روحا رياضية رهيبة تسمح لنا بالجلوس هنا، وتجعلنا لا نغار من مثقفي بيروت ومقاهي شارع الحمرا، وغيرها من البلدان. لكن هذا لا يفسر سبب عجزنا عن تغيير الحال وجلوسنا في مكان يشبه الزاوية اليائسة في مخيم النازحين بديزفول.

وقد رأيت على مقربة من تمثال المتنبي شبابا رائعين يجمعون تواقيع اهالي بغداد للتعهد بعدم رمي "الزبالة" الا في الاماكن المخصصة لها. طلبوا توقيعي فسألتهم: في شارع الثقافة هذا هل تلمحون مكانا مخصصا لرمي القمامة، ام بلاليع مفتوحة وفوضى رهيبة تكرهها روح ابن النديم؟ على ماذا نتعهد اذن؟ وحين اصروا كتبت بالقلم "الماجك": انني الموقع ادناه اسأل تاريخ ارض السواد.. لماذا وبعد ١٠٠ الف عام على ظهور النياندرتال، يعيش بيننا بشر كثيرون لا يعرفون كيفية استخدام دورة المياه؟ لماذا تمتلئ بلادنا بمرافق صحية، غير صالحة للاستخدام، في الجامع والجامعة؟

لا ادري الى اي حد يحق لضميرنا الثقافي ان يبحث عن دورة مياه نظيفة في شارع المتنبي او فندق الرشيد، لكني انظر بفرح الى المنتدى الثقافي الانيق الذي اسسه  "صديقنا" محافظ بغداد، حين رمم المدرسة الرشدية العثمانية، والى بيت المدى الثقافي الذي بناه استاذنا فخري كريم بذوق رفيع تراثي، واسأل: لماذا لم تمتد يد العناية "لقيصرية حنش" التاريخية؟ ولاني يائس من الحكومة، فإن في وسعي ان اعتب على رئيس مؤسسة المدى الاهلية: لماذا توقفتم عند دار المدى وعمرتم مبناها، ولم تشفقوا علينا نحن الجالسين في القيصرية وسط مشهد يستحق الرثاء؟ ان في وسعكم "تحريك مبادرة" ربما تجنبنا الشعور بالخجل كلما زارنا اجنبي لرؤية منتدى العراقيين العفوي في هذا الركن الفريد بمعناه.

ان البقاء دون مبادرة لتحسين شكل وظروف هذا الركن، ستثبت لشبح ابن النديم، ان مشكلة السياسة في بلادنا هي عجز ثقافي يجتاح روح الامة ويتمكن من عقل مثقفيها، الذين يقرأون قصائد شكسبير، وشكسبير يطل من الكتاب ساخرا منا ومن بلاليعنا. ويمكن للاقامة في قيصرية بائسة ان تفسر لماذا يهزم المصريون مرسي، بينما يهزمنا المالكي ١٠ مرات يوميا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. ميساء الخالدي

    10/10 استاذ سرمد ولنبدأ نحن ولنكن نحن شعلة التغيير الا نستطيع ؟ المتجمعون في جمعة المتنبي وجدتهم اليوم وانا لاول مرة اتواجد بينهم انهم اناسا من طراز خاص نواة حقيقية للصح ومستعدون للتصحيح اغلبهم ان لم اقل كلهم فبادروا بشحذ الهمم

  2. ميساء الخالدي

    10/10 استاذ سرمد ولنبدأ نحن ولنكن نحن شعلة التغيير الا نستطيع ؟ المتجمعون في جمعة المتنبي وجدتهم اليوم وانا لاول مرة اتواجد بينهم انهم اناسا من طراز خاص نواة حقيقية للصح ومستعدون للتصحيح اغلبهم ان لم اقل كلهم فبادروا بشحذ الهمم

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram