TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: ما يتهدّجُ في المغيب

قناطر: ما يتهدّجُ في المغيب

نشر في: 13 نوفمبر, 2024: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

لا أريد أنْ أحملَ على ظهري أباً ميتاً آخرَ، ولا حاجة لي بانتظار شيءٍ يحدث، لكي يكون جديداً، ولا أريد أنْ أطلَّ على نهرٍ من نافذةٍ أخرى، حسبي النوافذ التي أغلقت، ولا أفكرُ بمدينة يكررُ باعتُها أسعارَ حاجتي الى الصمت في شوارعها، ولا جدوى من الندم، الوسيلة الوحيدة التي اتقنها. أنْ أُبصرُ خيبتي في الماء، خيرٌ لي من أنْ أتلمسَ هواءً شاغراً، ولتكن الزاوية التي أنحشرُ فيها الساعةَ آخر ما يتهددني في الفرضة الرطبة من الأرض.
لا اريد أنْ اسمعَ أغنيةً بليدةً جديدةً، أنا هنا، وهذا يكفي، ولا أريدُ أنْ أضع قدمي على حجارة الغد، اليوم الوحيد الذي أعرفه جيداً. الزمجرة البعيدة التي اسمعها ستصل اليوم، أمّا السعادة فهي أنْ تجعل الوقتَ أكثر سذاجة من قبل، الوقتُ بحذائه المثالي، في الماضي كانَت السعادةُ يأتي في حمل من الحطب على ظهر أبي، وكانت ممكنةً ايضاً، ذلك، لأنَّ الألمَ ساذجٌ ما لم يتحقق بالموت! أبق عينكَ مغلقةً، لا أريدُ أنْ أراك مغادراً، ولا أريدك عائداً من دوحة الفقد. أنت تحترقُ لأنك أكثرنا سعادة. وإلا فخذ مقعدك على الجادة، وكنْ آنسَ العائدين، ولا تقلق! إنّك لنْ تخبرَ أحداً إذا متَّ.
الخلقُ والكونُ والمعاناةُ والموت: "إنَّها فوضى كريهةٌ، وهذا كلُّ ما في الأمر" هكذا يقول انتوني هوبكنز. إنْ نمتَ وحدكَ سيحتفلُ القرادُ بوجنتيك، وإنْ ضللت الطريقَ سيهتدي رجلٌ آخرَ، وإنْ تقوّسَ ظهرُكَ ستجد الشمسُ ضالتها في عظامك. لم يستردوا أعناقَهم بعد أولئك الذين كان النبيذُ آخرَ عهدهم بالضوء. لقد فرّقت الكؤوسُ بيننا، ولم أجد الوسادةَ التي سأنجو من الليل على أفراسها. أنا في الحقل الخطأ، وعلى المنحنى الصَّواب، رضيتُ بالنار، التي لم تترك أثراً، ولم يعثر أحدٌ على مُنشئِها، في العام الماضي قلتُ ما يشبه هذا، وفي العامِ القادم سأعتمرُ رأسي، لكنْ برضىً غير هذا. سعادةُ جرسِ البيت بأصابع من يضغطُ عليه، أمّا الغربةُ فلا أحدَ يحجبُ ثيابها عنك. ماذا ستكون الحياة إنْ لم تكن جريمةً. إذهبي للاحتفال بزهورك الصفر في مكانٍ آخر أيتها الأكاسيا.
ظلَّ باشلارُ يعتقدُ بأنَّ "الزمنَ الذّكرَ والشّجاعَ ينطلقُ ويحطِّم، وبدلاً من الزمنِ الوديعِ والخاضعِ الذي يتحسرُ ويبكي تنبثقُ اللحظةُ الخُنثى". أنا في الغرفة لأنصِّفُ العالمَ الدائري، ولألقمَ الفراغَ حيرتهُ في الاختيار لا لأودّعَ قطعةَ الهواء التي تعبرُ، ولا لأستقبلَ الرِّعشةَ المنتظرَةَ، ما يستقيمُ من الماءِ لا يأتي بالقارب، الذي وُعدت. كلُّ ما يتدحرجُ في المباهج ليس لي، أنا بعضُ ما يتهدجُ في المغيب ليخضر. السماءُ تغيمُ لأنَّ طائراً يعبرُ البحيرةَ، لا القاربُ زُحْزِحَ، ولا الريحُ هدأت، هكذا، تفخرُ العاصفةُ بالهبوب. إحداهنَّ وبزمن باشلاريٍّ تعودُ من المشفى القريب، لا تلامسُ تنورتُها العشبَ، ولا يمحو الاسفلتُ خطوتها الأخيرة، لم تكبر على الحبِّ، ولم تصغر في المسافة التي بيننا، لكنها غالباً ما تتركُ المصابيحَ مضاءةً في حقيبتها. لا يكفي أنْ تستيقظ باكراً ليقال بأنَّكَ ذاهبٌ، لا اللثمُ ولا القبلُ ما يجعل الليل قصيراً. من الحكمة أنْ تجعلَ سريرَها أبيضَ، ومنها أيضاً أنْ يكون قميصُكَ لزجاً بذكرها. ليست يدك التي تفزعك وأنت تومئ. أيها الآيبُ دائماً، لن تبلغ محطتك الأخيرةَ وإن جئت بعربةٍ من الابنوس، وحيث لا يتحققُ الشوقُ بموعدٍ عند شجرةٍ بعينِها سأنتظرُك.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

 علي حسين يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي...
علي حسين

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

 لطفية الدليمي هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا...
لطفية الدليمي

قناطر: ماذا بعد الحرب الأخيرة؟

طالب عبد العزيز أمرٌ يحزُّ في القلب ما تنوي فعله الاساطيل الامريكية بايران، الشعوب الإيرانية تستحق الحياة، والبلاد العظيمة؛ بجغرافيتها المتنوعة الجميلة؛ وتاريخها العريق، وما بيننا من مشتركات دينية، وإنسانية تقف بأعيننا، والله؛ نحن...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

سعد سلوم (2-2) في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram