TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > أخو خيته

أخو خيته

نشر في: 9 ديسمبر, 2012: 08:00 م

للأخت عند العراقيين منزلة قد لا نجدها في باقي المجتمعات العربية. فالشجاع عندهم "أخو خيتة" وكذلك الشريف والنبيل والشهم والعفيف. وإن بدر من احدهم سلوك بعكس تلك الصفات ينعتونه بـ  "مو أخو خيتة". مرة سمعت بغداديا شتم آخر بقوله "لك انت مو أخو  خيتك ولو أخو خيتك صدك جان ما سويت هيج مكسورة".

وإن كان للمرأة صورة نمطية تعرف بها في كل مجتمع أو بلد، كأن يقال عن الايطالية زوجة رائعة، وعن الهندية كادحة، والصينية صبورة، فالعراقية أخت من الطراز الأول. تشعر بالأمان مادام عندها أخ وفيّ يفضلها على زوجته وأولاده. وان كانت تحزن لو مات أبوها أو أمها أو زوجها أو ابنها، لكن حزن العراقية يصبح "حزن معدان" لو مات أخوها.

هذه الصورة، أو الظاهرة الاجتماعية، التي يكاد ينفرد بها العراقيون، أعتقد أن لها أسبابا ثلاثة، مجتمعة أو منفردة. الأول أن العراقيين توارثوها من أيام سومر حين كانت أنانا "عشتار" تبحث عن دموزي "تموز". ولو أن الأساطير تقول بأنه زوجها لكنها في كل قصائدها تسميه "أخي". والثاني، وهو الأهم برأيي، هو تأثر العراقيين بمجريات واقعة كربلاء. وإن كانت الواقعة المفجعة تثير أحزان العراقيين، لكنهم عند الحديث عن علاقة الإمام العباس بأخته زينب، يتحول حزنهم إلى ما يصعب وصفه بالكلمات. وهكذا نرى العراقية حتى وإن تزوج أخوها وصارت له عائلة كبيرة، فإنها لا تنسى حقوقها عنده ولا تسمح له بأن يفرط بها. يجب أن يكون دائما كما كان العباس مع زينب. أما السبب الثالث فقد يكون إشعار فدعة الازيرجاوية وما رافقها من حكايات حول علاقتها بأخيها حسين. العراقيات حفظن نواعي فدعة وأضفن لها فصارت واحدة من أهم مصادر أغاني "الدلول". أغانٍ وترنيمات غذينها مع الحليب لأطفالهن فتأصلت عندهم في اللاشعور:

اشما تون يحسين انا اشيط والنوم عفته والغطيط

يالتعدل العوجة عدل ميط يمعزب الخطار تشريط

ردتك على كومك كليط يلجنهم بعقلك زعاطيط 

 

يحسين خويه جبل كرحوت   اليصعد يمتحن والينزل يموت

بحر اتكالب بيك كل حوت                      عقلك جسر ياهو اليجي يفوت

الغريب أن كل هذه الرموز(دموزي والعباس وحسين أخو فدعة) تعرضوا للظلم والقتل. وأظن أن هذا يكشف سر بكاء العراقية عندما تسمع بموقف لأخ فيه شهامة ونبل وكأنها تشعر بأنه سيظلم.

يروى انه في قرية من قرى العراق الجنوبية ظهر أسد يهاجم أهلها مع غروب الشمس. قتل منهم نساء ورجالا وأطفالا. كان شيخ القرية أول الخائفين فأمرهم أن يكتفوا بغلق أبواب صرائفهم وأكواخهم وأن لا يخرجوا منها. ظلت القرية شهورا تعيش تحت رهبة الخوف من الموت. كان فيها شاب فقير يعيش مع أخته. شان عليه أن يراها ترتعد كلما حل الظلام. لم يملك سوى خنجر بسيط حمله وذهب قبل الغروب ليكمن قرب المكان الذي يخرج منه الأسد. خرج فقتله الشاب وجاء به إلى القرية. نادى على أهلها أن اخرجوا فلقد قتلته. تجمع أهالي القرية في باحة قصر الشيخ يرقصون ويغنون ويباركون لشيخهم هذا الانتصار العظيم. انتهى الحفل وعاد كل إلى بيته فرحا. صاح بهم الشاب الذي لم يشكره أحد عدا أخته: ولكم مناعيل الوالدين ولا واحد بيكم يقلي عفيه "أخو خيته".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مراد وهبه وعقل الأخوان

العمود الثامن: فتاة حلب

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: حكاية سجاد

 علي حسين أقرأ في الاخبار خبر الافراج عن المتهمين باختطاف الشاب سجاد العراقي، وقد اخبرتنا المحكمة مشكورة ان قرارها صدر بسبب "عدم كفاية الادلة"، تخيل جنابك ان دولة بكل اجهزتها تقف عاجزة في...
علي حسين

قناطر: عن الثقافة وتسويقها

طالب عبد العزيز تدهشنا مكاتبُ الشعراء والكتاب والفنانين الكبار، بموجوداتها، هناك طاولة مختلفة، وكرسي ثمين، وأرفف معتنى بها،وصور لفلاسفة،وربما آلات موسيقية وغيرها، ويدفعنا الفضول لفتح الأدراج السرية في المكاتب تلك، مكاتب هؤلاء الذين قرأنا...
طالب عبد العزيز

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

جورج منصور يقف العراق مع مطلع عام 2026 عند مفترق طرق حاسم في صراعه الطويل مع ثنائية الفساد المستشري والسلاح المنفلت خارج إطار الدولة. فقد كرَّست العقود الماضية بيئة سياسية هشة، غاب فيها حكم...
جورج منصور

الاستقرار السياسي.. بين حكمة دنغ واندفاع ترامب

محمد سعد هادي يروي «سلمان وصيف خان» في كتابه المهم «هواجس الفوضى: الاستراتيجية الكبرى للصين، من ماو تسي تونغ إلى شي جين بينغ»، حوارًا جرى عام 1989 بين دنغ شياو بينغ والرئيس الأميركي الأسبق...
محمد سعد هادي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram