TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > كلام ابيض :شارع السعدون

كلام ابيض :شارع السعدون

نشر في: 29 يناير, 2011: 06:18 م

 جلال حسن ما يثير الحزن في شارع السعدون عصراً ، فراغه من المارة ، وبروز علامات شيخوخته المتشعبة من عروق حي البتاوين  .  شارع تحول إلى نصفين، محلات لبيع المستلزمات الطبية وبنايات فارغة لا يؤجرها أحد . صرفت عليه مليارات الدولارات لكنها لم تجذب عاشقاً ولا مستثمراً ، ولا حتى مريضاً يطلب العلاج في عمارات الأطباء الفارغة .
قبل أيام عثرت على صورة يعود تاريخها إلى بدايات سبعينيات القرن المنصرم  ، صورة بالأسود والأبيض ، تلمع بالذكريات العذبة في قلب الشارع ، وترن بالسرور والفرح . الصورة تظهر تمثال السعدون بارزاً وخلفه لسان طويل من أروع الأشجار المتدلية على الجانبين ، جزرة وسطية عريضة متناسقة  الطول ، وتزينها ألوان من الأشجار العالية تتخللها شتلات من الورود العبقة  ، كنا زمنئذ ، نسرع الخطى لركوب حافلة نقل الركاب الحمراء " أم الطابقين " لكي نستقل الطابق الثاني بلهفة طفولية عارمة بمزيد من الفرح وشوق عال ، لفتح نافذة الحافلة إلى النهاية ، لنمسك أنامل الأشجار التي تخط في صوتها على سقف العربة أجمل لحن يدغدغ كركرات الطفولة . حينما  كانت أيادينا ناعمة ، والشارع يحنو بالهدوء والسكينة .في التسعينيات ضاق الشارع أكثر ، وهجره العشاق وأهله ،وهجرته موائد ومواعيد الأصدقاء العامرة بالطيبة ، بل تكدس فيه الملل ، ،وصار مثل مدرعة عسكرية هرمة تثير العزاء والشفقة . الشارع الآن ليس أفضل حالاً ، وجزرته الوسطية بلا زهور بل ضاقت أكثر وصارت بنصف متر من حجر الأرصفة الكونكريتة اليابسة معبأة بالطابوق المقرنص ، وليس فيه أماكن لعبور السابلة ولا إشارات مرورية ترشد الناس للسير بأمان ، ولا تتحرك على جنباته سعفة أو شجرة غير محلات مغلقة ،وأخرى للطبابة . ولا نرى غير سيارات الشرطة والهمرات العسكرية ، وعضلات رجال الشركات الأمنية بنظارات سود وأصابع متهيئة على زناد الأسلحة الأوتوماتيكية ، حتى أصحبنا أكثر صبراً على تحمل الازدحام ومرورهم قبلنا على مضض. ربما اختلفت بغداد واختلف العالم أيضاً ، ولم يعد مهما أن تكون العاصمة بلا ملامح واضحة مثل أي عاصمة في الدنيا مزدانة بالحياة.كل شوارع البلاد تشبه إلى حد كبير شارع السعدون ، صورتها بلا استثناء كئيبة بلا ألوان وبلا أثواب وذابلة الأرصفة ،شوارع كانت ترسم على أقدامنا نقاشات ولقاءات ومشاوير وحكايات ، أصبحت الآن حزينة السير بالوحشة  . منذ مدة كنت أرمق السيارات المارة بشوارع العاصمة ،واسمع أحاديث كثيرة عن الحفر والعوائق والسيطرات وجنبات الكتل الكونكريتة وضيق النفس ، وأنا كلما أتذكر شارع النهر أتبلل بالدموع .rnjalalhasaan@yahoo.com

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الكهرباء تحدد موعد تشغيل الربط الخليجي ومنصة الغاز.. والجباية ترتفع إلى 44%

من التراث العالمي إلى العطش.. أهوار ميسان تحتضر

غبار كثيف يجتاح البلاد السبت.. نصائح عاجلة

هيئة النزاهة تشكل فريقاً للتحري عن حادث الزعفرانية

واشنطن تهرب آلاف أجهزة "ستارلينك" إلى إيران سرًا

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram