علي عبد السادةأستعير، قبل توجيه تهمة التفرد للأحزاب الحاكمة، مقولة المفكر الامريكي اليساري فرانكلين آدمز:"عندما يَقُول المعلقون السياسيون (كُلّ رجل مُفَكِّر) يَعْنونَ أنفسهم.. وعندما يُناشد المرشّحون (كُلّ ناخب ذكي) يَعْنونَ كُلّ شخصَ سَيُصوّتُ لصالحهم".
هكذا يقول كل أعضاء ائتلاف دولة القانون حين يدافعون، بجمل مستنسخة محفوظة عن قرار الحكومة:"القضاء لن يتراجع عن قرار ربط الهيئات، وان حدث فان الأزمات ستحل في البلاد".دون شك هم يعنون مساحة نفوذهم (الأزمات ستحل)، ويقصدون الالتزام بما يقول زعيم دولة القانون (المحكمة لن تتراجع). وكأنهم يتحدثون نيابة عن القضاء، ويؤشرون، بمعنى ما، أنهم قادرون على مسك السلطات، كل السلطات، دون أن يكلفهم ذلك سوى تلاعب بسيط بالألفاظ.هم يعرفون كل شيء، يدركون مصلحة البلاد أكثر من غيرهم، وان ما يقوله سنان الشبيبي (البنك المركزي) مجرد إنشاء، وما يخشى منه رحيم العكيلي (هيئة النزاهة) لا يعدو كونه أوهاماً، وان ما يربك فرج الحيدري (مفوضية الانتخابات) ليس سوى صدمة خفيفة من جديد نزعات الحكومة. كل هؤلاء لا يفقهون شيئا في حرفة إدارة الدولة!؟احد النواب – يمكننا اعتباره من صقور دولة القانون – قال:"رئيس الوزراء لا يحب رأسين في البلاد، وهذا مبرره لسحب السلطات". حين تحدث كان يظن ان مخاوف نوري المالكي من تشتت الدولة بين رؤوس مختلفة متصارعة على الدوام، متشاركة اليوم باتفاق حكومة وحدة، وانه لن يستطيع تحقيق شيء من وعوده بالاستقرار والتقدم مع هذه الازدواجية.هنا، لن نناقش دولة القانون في خيارها الشراكة، وهو رهان عراقي وطني كان بإمكانه تسوية الخلاف وطي صفحة مريرة من التجاذبات، لكن من الصعب بمكان إهمال المخاوف من تحول نظرية (الفوضى وتعدد الرؤوس) إلى تطبيق حي لحالة (رأس واحدة وليذهب الآخرون إلى الجحيم). طبعا يحدث هذا الميل في التفرد بينما ينشد العراقيون ليل نهار مع أمثولة تونسية وأخرى مصرية لا تزال تشتعل في ميدان التحرير، والشكوى في النموذجين من صدامين عربيين طال وقتهما.رئيس الوزراء، الذي كما اعرف يراقب وسائط الرأي العام وعددا قليلا من الصحف العراقية، يعرف جيدا أن جمهورا بدأ يقلق مما يبشر به ويخطط إليه، سيما وان خطابه اليومي المتعدد المصادر ينطوي على نية مخيفة لحصر كل السلطات بيد رئيس الحكومة.ما يعني، في ضوء ذلك، أن الخوف من تشتت النظام هو في أصله رغبة في تغيير النظام – من المعروف أن المالكي معجب بالنظام الرئاسي على الطريقة الأمريكية – ويعني أيضا، مشروعا كهذا (مسك السلطات بيد واحدة) يعد، دون أدنى شك، تقدمة لنظام شمولي.. يحدث هذا التفكير في ظل بيئة عراقية لم تشف بعد من أعراض صدام حسين، وان جمهورا عريضا لا يزال بحاجة إلى إدراك الزمن الديمقراطي.لا زلت أستعير من فرانكلين آدمز، يقول:"الدولة.. هدفها إسعاد الناس، وعمادها: قبولهم". ولا زلت أقارن: ما تفعله الأحزاب الحاكمة، تحديدا تلك التي تتصدر مشهد النفوذ، يسعون إلى دولة هدفها إسعادهم، تهنئتهم بمزيد من الصلاحيات، وتعزية آخرين بفقدانها، ما تفعله تلك الأحزاب إسعاد صقورها بفوز معارك القوة، دون الاهتمام بالعماد، كما يقول آدمز، قبول الناس.والناس لا يسألون.. يعرفون، لا ينشغلون بتأخر الخدمات، وعوق المواطنة، واعوجاج برامج الانتخابات، لا يرهقون أنفسهم في سؤال الحكومة عن الكهرباء والعمل والسكن، فملعب الحكومة لا يزال في شوط توزيع النفوذ، وان الصراع على حجم القوة سيتطلب أوقاتاً أضافية. لذلك يعرف الناس جواب النافذين سلفا:"انتظرونا نفرغ من حصصنا قبل كل شيء".لكنهم يسألون ويأملون الجواب:"دولة الرئيس المالكي.. هل تود نظاماً شمولياً؟ اخبرنا رجاءً.
بالعربي الصريح: رأس واحد ولتذهب الدولة للجحيم

نشر في: 1 فبراير, 2011: 07:35 م







