شاكر لعيبيإذا ما كنا بالفعل في غياب البسيط، البيوغرافي والأرشيفي، لروّاد التصوير الفوتوغرافي في العالم العربي، فكيف إذن نستطيع متابعة السيرورة (البلاستيكية) والأسلوبية لفن الفوتوغرافيا في بلداننا، لكي نرى نتائجها المحتملة اليوم، ولكي نعرف من أين يخرج وعينا البلاستيكي في الحقل الفوتوغرافي على الأقل. ألسنا نتاجاً أيضاً لما "رأيناه" عياناً؟ ألم نقف أمام مصوّر الحيّ ذات يوم،
وألم نندهش، صغاراً، من سحر وخيمائية الفوتوغرافيا؟. هذا المكوّن الجمالي في وعينا ولا وعينا متروك حتى اللحظة ومهجور لمرتين: مرة بسبب هذا الفراغ البيوغرافي المتلازم، وهنا المرة الثانية، مع التحليل المعلن أو المضمر للتصوير. هذا التحليل ما زال غائباً.إن ما نعتبره اليوم (جمالية) لصيقة بفن التصوير، لم يكن منظورا لها إلا بوصفها لقطة تسجيلية بارعة وواضحة المعالم. وإن الصورة القديمة التي نشم فيها رائحة الماضي وسحر الأماكن الآفلة والحضور الأخاذ للشخوص الراحلين، هو أمر لم يكن يطرأ على بال ملتقطيها. وإن الوضعيات والزوايا المكرَّسة للبورتريهات القديمة التي نجد فيها اليوم شيئاً عصياً على الوصف، في آن واحد مسرحي (mise en scène) وفوق حقيقي، لم تكن تتابع سوى نسق متبع على نطاق واسع وتقليداً فوتوغرافياً شائعاً. وإن ألوان الصور القديمة من الرمادي إلى السيبيا إلى الرمادي المزرّق الناجمة عن أحماض الطباعة لم تكن دائما خيارات لونية جمالية إنما كانت تتابع ضرورات الوقت ذاك. وإن ما كان يُظن أنه تصوّر جمالي فائق للعادة في فن التصوير الفوتوغرافي، مثل تلك الصور التي حازت على جوائز محلية مصرية في مسابقة نظمتها مجلة (المصوّر) المصرية نهاية سنوات العشرينيات، ليست إلا رؤية رومانسية في جوهرها تتسق مع اللحظة الشعرية بأعلى تجلياتها الحداثية يومذاك.إن غياب المتابعة لأعمال المصورين الفوتوغرافيين الأوائل، بل ضياع بعضها المأساوي، يفوّت الفرصة على البحث نفسه، لأننا لا يمكن أن نفحص شيئا متشظياً أو ضائعاً. لا يوجد اليوم جرد، أقلها، لأعمال مصور مثل لويس الصابونجي، ولا يوجد حتى كراس لبعض أعماله. أين هي أعماله في البدء؟ سيقول بعض القراء من هو لويس الصابونجي قبل أي أمر؟. هذا ينطبق على مصورين فوتوغرافيين كبار مثل الأرمني العراقي أرشاك الذي لولا لقطته الشهيرة للشاعر جميل صدقي الزهاوي لما عرفنا شيئا عن (فنه) الفوتوغرافي. صحيح أنه في حالته وحالات كثيرة أخرى كان صاحب أستوديو يكسب منه لقمة عيشه، لكن صحيح أيضاً أنه كان فناناً حقيقياً بدليلِ واحدٍ على الأقل من النماذج الباقية لحسن الحظ. كان بإمكان أرشاك أن يكون برهاناً على اللحظة الجمالية وتصوراتها وسياقاتها المعرفية، وكان يمكن أن يكون في صلب (تاريخ الفن) الفوتوغرافي في المنطقة.وحتى في حالة وجود أرشيف كبير لمصوّر ما فإن النسيان والتجاهل يطوي أعماله وسيرته. لم يفكر أحد، على حد علمنا، بطباعة كتاب يضم أعمال مصور مصري مثل رياض شحاتة الذي كان يُلقـّب "بمصور الملك فاروق". لكن شحاتة لم يصوّر الملك فاروق فحسب، إنما يمتد عمله منذ العشرينيات والتقط صورا لمختلف الفعاليات والشخصيات المصرية بحيث أن أعماله المنشورة في الصحافة المصرية، وحدها، يمكن أن تشكل مجلدا معتبرا ثميناً من الوجهة التاريخية على الأقل. هذا ينطبق على مصورين كثر في مصر وغيرها. في مصر الكل يعرف وكالة زخاري، لكن لا كتابَ موثقاً عنها وعن أعمالها.وإذا ما استطاع بعض المصورين الأرمن، وليس كلهم، حفظ أعمالهم والترويج لها فإن المصورين من غير الأرمن في العالم العربي يعانون من التجاهل أو النسيان المطبق، رغم أن بعضهم يقدّم أمثلة فوتوغرافية لا تقع فحسب في نطاق الفن وإنما نطاق الأنثروبولوجيا. فإن مصورة هاوية موهوبة وقعنا عليها بفعل فضائل شبكة النيت، من بين مجموعة من مصوري ضاحية قره قوش الموصلية، هي الراهبة مارتين إلياس حنا الخياط يمكنها أن تقدّم دروسا عن الحياة الرهبانية اليومية للراهبات الدومنيكيات في عزلتهن. ومثلها الأب لويس قصاب الذي يصور شرائح محددة من مسيحيي الريف العراقي ويوثق لها منذ الخمسينيات (وربما أبعد من ذلك). هذه ليست سوى أمثلة متفرقة يمكن اللقاء بمثلها في بلدان المغرب والجزيرة العربية في سنوات متفاوتة.إن جمالية التصوير الفوتوغرافي القديم لها سحر لا يستشعره إلا الشعراء، ومن يمتلك روح الشعراء الذين يستجيبون لشيء أهم من البحث الأكاديمي الجاف البارد، المخزي أحياناً بسبب فقدانه للأريحية والحرارة. تنبثق من روح العدالة في الشاعر، ومن يمتلك روح الشاعر، ضرورات إعادة الاعتبار لمقتنصي الجَّمَال الأوائل.إن تأصيل الأصول بعيداً عن كل منحى أيديولوجي يبدو ضرورة في العالم العربي. فلا يمكن للدرس المحايث والمعاصر أن يستوفي شروطه دون أصول. إن ما يدهشنا بالتمام في بعض المعاهد التي درَّسنا بها هي استخفاف بعض الباحثين بتأصيل تواريخ الفنون البصرية في بلدانهم، وبدلا من استحثاثهم الطلبة على البحث بتاريخ التصوير والنحت والفوتوغرافيا فيها تراهم يقترحون عليهم أطروحاتٍ للماجستير والدكتوراه تقفز على إشكالياتنا الإستطيقية والفلسفية وتنهل من آخرة المشكلات الجمالية الفرنسية والإنكليزية الطالعة في سياق مختلف كلياً. ناهيك عن أن الدرس الفرنسي في تأصيل ظواهره وأسمائه يفوتهم، إذا لم أق
تلويحة المدى :مقدمات تأسيسية لأنطولوجيا فوتوغرافية عربية (5)

نشر في: 4 فبراير, 2011: 04:32 م







