TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > سلاماً يا عراق:الو يا مصر

سلاماً يا عراق:الو يا مصر

نشر في: 4 فبراير, 2011: 08:53 م

 هاشم العقابيالواجب فرض علي أن اتصل بأصدقائي من الشعراء والمثقفين المصريين لأطمئن عليهم مثلما فعلت مع أصدقائي العراقيين المقيمين هناك. الصوت واضح جدا عبر الخطوط البعيدة ولا يشوشه إلا أزيز الطائرات. كنت على الخط مع شاعر مصري عنيد سريع الغضب. كان بكامل معنوياته وعنفوانه إلى أن مرت طائرة فوق المكان الذي هو فيه فما عاد يسمعني أو اسمعه. سألته ما هذا الضجيج؟ فرد علي: دول حتة عيال طيارين معندهمش حاجه يعملوها وبيخبطوا. ضحكت فلم يضحك لأنه ما كان يمزح أبدا.
كنت أخاف أن اسأله أسئلة مباشرة تحسبا أن تكون الخطوط مراقبة فأحرجه أو اسبب له مشكلة. يبدو هذه"العادة"لم تفارقني وكأنها استقرت في اللاشعور عندي من أيام حكم صدام حين كنت اتصل بأهلي وأصدقائي بالعراق فأتوخى الحذر في أسئلتي خوفا عليهم ومداراة لخوفهم أيضا.حدد لي موقعه دون أن أطلب ذلك منه وصار يصرح بتفاصيل غاية بالدقة. وحين قلت له قلبي معكم وأخاف عليكم، بادرني: وبتخاف ليه؟ أجبته من اشتباكات مع الجيش أو الشرطة أو الخارجين عن القانون. رد بهدوء وثقة:"لا يا عم نحن معندناش تاريخ دموي زي اللي عندكو، لا تآخذنيش أرجوك، لكن ده الواقع. الجيش هنا ليس جيش صدام يا صديقي". أجبته مع انحناءة اعتراف مني، رغم انه لا يراها عبر الهاتف: صدقت. وودعته. اتصلت بجميع أصدقائي العراقيين تقريبا والذين لم ينكروا، أو أنكر خوفهم الذي له أكثر من مبرر. وكيف لا يخافون واغلبهم يحمل في قلبه وذاكرته أيام القمع الصدامي الدموية؟ كنت على الهاتف مع واحد منهم وكان يتكلم بحذر شديد مرددا"الحمد لله"بين كلمة وأخرى. وكما حدث خلال حديثي مع الشاعر المصري مرت طائرة فوق دار صديقي العراقي، فتركني على الخط واحتار في تهدئة روع أطفاله. عاد لي وكأنه نسي خوفه من احتمال التنصت على هاتفه وقال لي:"يا أخي إن أولادي لا ترعبهم إلا هذه الطائرات الحربية والسمتيات التي تجوب السماء.خلص، سأنتظر إلى الغد لأرحل إلى بغداد". قلت له لا تخف فهذا"لعب عيال"مقتطفا نص ما قاله لي صديقي المصري. رد بعصبية عراقية:"يا لعب يمعود هاي طيارات. انت تعرف شتسوي؟"لقد تجمد أولادي وأمهم من الرعب. قلت له اطمئن فالشعب والجيش المصريان ليس لهما سجل دموي. هدأ صاحبي وقال:"الله يسمع من حلكك. بس كون ربك يعديها الباجر سلامات".لم يكن صاحبي مخطئا ولا مبالغا. فالرعب استجابة طبيعية اعتاد عليها العراقيون حين كانت سمتيات صدام تحرق الناس وتهدم بيوتهم. كذلك تحضر في ذاكرتهم الطائرات التي أرعبت العراقيين بدويها وصواريخها أيام الانتفاضة الشعبية بعد طرد صدام من الكويت وأيام إسقاطه في العام 2003. كان لا بد أن اقلق أيضا على صديقي نصير شمة وعلى معهد الدراسات الذي أسسه من النهب أو التخريب. كان الوقت بحدود الثانية عشر ليلا. وبينما كنت أحدثه سمعت اصواتا لأناس بقربه يتحدثون ظننتهم ضيوفا فاستأذنت منه لأتركه مع ضيوفه. أجابني:"أن هؤلاء ليسوا ضيوفا فانا في الشارع مع مجموعة من الشباب نحمي بيوت الناس والممتلكات من النهب". ومن خلال الحديث معه فهمت أن محبيه وجماهيره التفت حول داره ليحموه، لكنه قرر أن ينزل معهم إلى الشارع بنفسه ماسكا"بتوثية"على الطريقة العراقية. يبدو أن نصير وظف خبرته التي تعلمها، كغيره من العراقيين، أيام حملات السطو والتخريب إبان سقوط صدام، وعلمها للمصريين. شرح لي كيف انه وفر للمجموعة التي يقودها بنفسه أجهزة"ووكي توكي"واعتمد طريقة"سر الليل"في تنظيم عمل مجاميع الحراسة.حقا تمنيت أن أكون معه تلك اللحظة لا عيش تجربة مثيرة ومهمة.وصباح اليوم تذكرت بواب العمارة التي كنت اسكن فيها ووجدت من الواجب أيضا أن اسأل عن أحواله. عرفني ورد علي قبل أن اسأله:"أنا بخير يا دكتور والأهل في الفيوم بخير ونشكر ربنا كل حاجه تمام التمام". وكما توقعت لم يشتك أبو محمود إلا من شحة الخبز الذي فقد من السوق والطماطم التي صار سعر الكيلو منها بستة جنيهات رغم أنها"ممرمطة"والخيار بثمانية جنيهات. رددت عليه: كل شي بيتصلح يا ريس. ولا يهمك ما دام مصر بخير.أعرف تماما أن هذا البواب البسيط لا يقتنع أن مصر بخير إلا إذا توفر الخبز البلدي وصار سعر كيلو الطماطم بجنيه والخيار بجنيهين وان يجد ابنه محمود عملا يخلصه من بطالة حاصرته سنة وأربعة أشهر. -"دي تحتاج حكومة كويسة ووطنية وبنت حلال، مش حكومة أي كلام" هكذا قالها مصري لمراسل محطة فضائية فرنسية. ولا ادري إن كان قد فهم المراسل ما قاله المصري أم لا. لكني اشك أن المراسل قد فهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram