هاشم العقابينسمات الحرية التي هبت في ميدان التحرير بالقاهرة أحيت في نفوسنا الكثير مما تصورنا انه قد مات. الذي مات، أو ما تصورناه قد مات، هو إرادة الشعب العربي أو قدرته على التغيير. كثيرون منا كتبوا عن هذا ولا اعتقد إني سأضيف الكثير لو دخلت في أسباب ونتائج ما حدث بمصر مؤخرا.
هذه النسمات، شئنا أم بينا، تحولت إلى عاصفة نزلت إلى عمق الجذور فهزتها وصارت تحثنا على الثورة. من الطبيعي ان أول شعب كان يجب أن تهتز جذوره هو نحن العراقيين الذين لولا أنها "منايانا ودولة آخرينا"، كما قال الإمام الحسين، لسجل التاريخ بأننا أول شعب عربي انتفض بوجه أعتى نظام فاشي ودموي بالعالم بعد احتلال الكويت وقضى عليه. لا أظن أن عراقيا واحدا يتابع أحداث مصر لا يتذكر، بألم، أيام انتفاضة العام 1991.حتى الطفل العراقي صار يعرف أن على العراقيين أن يثوروا على الفساد الذي عم العراق. فقر وجوع وبطالة ورداءة في الوضع الأمني وتدن في طبيعة الخدمات إلى حد انعدامها أحيانا. أمام كل هذا وذاك، هناك دستور يفترض انه يحكم تصرفات القائمين على إدارة الشأن السياسي من أدنى خلية بإدارة الدولة صعودا إلى رئاسة الوزراء. هذا الدستور يقر بان نظام الحكم عندنا ديمقراطي ويبيح لنا بوضوح حق التظاهر السلمي. ثم ها نحن نرى شعب مصر يثور بشجاعة ضد دستور ظالم وحزب منفرد بالسلطة وحاكم انفرادي. فما الذي لا يحفز العراقي على الثورة؟ وأي شعب أولى من شعبنا بحق التظاهر وكسر قيود الصمت والخوف؟ باختصار شديد أقول أن شعبا لا تؤلمه جراحه اليومية ينطبق عليه قول المتنبي:"ما لجرح بميت إيلام". وحاشى أن يموت شعب العراق متوسدا جراحه.نهض الشعب في قضاء الحمزة الشرقي كفعل وحق طبيعيين جدا في دولة ديمقراطية كما ينص الدستور على الأقل. أليست من ابسط ملامح الديمقراطية حق التظاهر سلميا؟ وعلى الدولة رغما عنها أن تسمح له بهذا الحق؟الأرقام تشير إلى أن الذين تظاهروا في قضاء الحمزة الشرقي كان عددهم ألفين، أو على الأكثر الكثير ثلاثة آ’لاف مواطن. النتيجة أصيب منهم أربعة بالرصاص الحي في لتظاهرة لم تستمر أكثر من ثلاث ساعات.دعونا نحسبها حساب عرب، كما يقول أهلنا. في ميدان التحرير لوحده، ولا أقول مصر كلها، بلغ عدد المتظاهرين مليون مصري. ومطالبهم عالية السقف حتى أنها وصلت حد تنحية رئيس الدولة. بالمقابل نجد أن مطالب أهالي الحمزة الشرقي لا تبحث عن أكثر من قطرة كهرباء "صافية" وكيلو عدس ومثله سكر وشاي حرموا منها بسبب إلغاء البطاقة التموينية. تصوروا لو أن المصريين المتظاهرين يطالبون بمطالب أهالي قضاء الحمزة، أما سيوفرها لهم النظام خلال ساعات أم اقل من دقائق؟النتيجة: شرطتنا أصابت أربعة من المتظاهرين بالرصاص وهم ثلاثة آلاف. فلو نفترض أن شرطة مصر صارت "ديمقراطية" مثل شرطتنا سيصل ما كان يجب أن تصيبه من المتظاهرين كل ثلاث ساعات 1333 متظاهرا. ولان اليوم 24 ساعة، وبحساب أن مظاهرات ميدان التحرير مستمرة على مدى الساعة سيضاعف الرقم ثماني مرات ويصبح 10660 مصابا. علما أن مظاهرات المصريين لحد يوم تظاهرة قضاء الحمزة كان عمرها عشرة أيام. هذا يعني أن الرقم سيصعد إلى 106600 ضحية بين قتيل وجريح. ولو استعارت شرطة مصر طريقة "أختها" العراقية وتعاملت بها مع 8 مليون متظاهر في عموم مصر سيصبح عدد الضحايا 850 ألف ضحية، أي ما يقارب المليون في 10 أيام فقط.كل هذا من اجل سكر وشاي وكهرباء. فكم سيقدم الشعب العراقي المسكين من ضحايا لو طالب بتغيير الحكومة مثلا؟ أضف لها أن تلك الشرطة التي هاجمت المتظاهرين تابعة "لحتة" مجلس محافظة صغيرة، فكيف إذا هجمت شرطة العراق "الديمقراطي" برمتها؟فان كان هذا ما ينتظرنا لو طالبنا بحقوق بسيطة جدا لا تحرم منها حتى الحيوانات في بلدان العالم الخيرة، فهل هناك من يلومني لو سألت أسئلة ممزوجة بخوف وألم شديدين: ماذا أبقينا لصدام إذن؟ وهل حقا تخلصنا منه؟أ شرطة "وطنية" هذه التي ضربت أهالي الحمزة الشرقي أم حرس جمهوري؟ربي احمني من شر لساني.
سلاماً يا عراق: تظاهرة الحمزة الشرقي وميدان التحرير بالأرقام

نشر في: 5 فبراير, 2011: 07:01 م







