TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > اسم بغداد.. تلفيق أصفهانيّ وهمذانيّ

اسم بغداد.. تلفيق أصفهانيّ وهمذانيّ

نشر في: 16 يناير, 2025: 12:03 ص

رشيد الخيون

لم نكتب، تحت هذا العنوان، بطراً ولا ترفاً، ولا ضيقاً بالمواضيع، إنَّما لكشف زيفٍ استمر لقرون، وما زال يتداوله المُغرضون وسليمو النَّوايا، على حدٍّ سواء، فالاستحواذ عادة يُهيأ له بتزوير الأسماء، أسماء النَّاس والمدن والبلدان، هذا ما تعرضت وتتعرض له "بغداد"، بتلفيق معنى اسمها في العهد البويهيّ (348-448 هـ)، حتَّى صار التلفيق حقيقةً، وكم مِن ملفقات أزحن الصّحيحات، لكن قيل لا يبقى إلا الصحيح. فمَن هو "الخصيّ" الذي أهدي لكسرى كي يهديه الأخير بغداد، لتصبح "البغ داد"، عطية الصّنم؟
كانت بغداد قبل بنائها "مزرعةً للبغداديين، يُقال لها المباركة" (الطَّبريّ، تاريخ الأُمم والملوك)، وعن بابليتها، يقول ابن رسته (تـ: بعد 300 هـ)، وهو بلداني فارسيّ، لكنه مات قبل السلطنة البويهيَّة: "بغداد وبغدادذ، اسم موضع، كانت في تلك البقعة، مِن قَبلُ زعموا أنه كان موضوعاً للأوثان والأصنام في الدهر القديم، وهي أرض بابل" (الأعلاق النفيسة).
كذلك ذكر علي ظريف الأعظميّ (1882-1958): "أثبتت الكُتب التّاريخيَّة الصّحيحة، المستندة إلى الآثار المكتشفة حديثاً في بغداد وأطرافها، أنَّ هذه المدينة، مِن المدن الكلدانيَّة القديمة العهد، وكانت عامرة قبل الميلاد بنحو ألفي سنة، وقد أيدت ذلك الكتابة المنقوشة، على كثير مِن الآجر القديم، اسمها (بل دودو)، وعلى بعضه بغدادو، أو بغدانو، ومعنى (بل دودو) مدينة الإله في لغة السّريانيين الكلدان، والظاهر أنَّ هذه الكلمة صُحفت على توالي الأعوام والقرون إلى بغداد؛ وقد أخطأ مَن زعم أنَّ لفظة بغداد فارسيَّة" (مختصر تاريخ بغداد).
يؤيد ذلك العالمان كوركيس عواد (تـ: 1992) وبشير فرنسيس (تـ: 1994): "أظهرت الدّراسات الأثريَّة، أنَّ مثل هذا الاسم قد ورد في الكتابات المسماريَّة القديمة؛ التي ترجع إلى العصرين البابليّ والآشوريّ بصورة بغدادو، وبغدادى، وبكدادو" (مجلة سومر، أصول أسماء المدن العِراقيَّة).
ما يخص اسم بغداد الملفق، عند القدماء، كتب الخطيب البغداديّ (تـ: 463 هـ): "إنما سميت بغداد بالفُرس، لأنه أهدي لكسرى خصي من المشرق، فأقطعه بغداد، وكان لهم صنم يعبدونه بالمشرق يقال له: البغ. فقال بغ داد. يقول: أعطاني الصَّنم (تاريخ مدينة السَّلام). كذلك جاء عند ياقوت الحموي (تـ: 626 هـ)". وقال حمزة بن الحسن.. ويُكمل الرواية نفسها (معجم البلدان).
لكن مِن أين دخل هذا "التفريس" على اسم بغداد، وقد أصبحت عاصمة الدُّنيا؟ ولم يقل به اليعقوبيّ (تـ: 292 هـ) في"البلدان"، ولا الطّبريّ (تـ: 310 هـ) في تاريخه، ولا غيرهما قبل القرن الرابع الهجري، حيث الحُكم البويهيّ. قال به اثنان مِن الكُتاب الفُرس، حمزة بن الحسن الأصفهاني (تـ: 360 هـ)، وابن الفقيه الهمذاني (تـ: 365 هـ) في كتابه "البلدان".
قال أبو الرّيحان البيرونيّ (تـ: 440هـ) في عصبية الأصفهانيّ؛ وهو يتحدث عن أسماء الشهور:" كلٌّ يعمل على شاكلته، وكلّ حزب بما لديهم فرحون… ولمثل هذا تَعرَّض حمزة بن الحسن الأصفهانيّ، في رسالته عن النَّيروز، حيث تعصب للفرس، في عملهم في سنة الشَّمس…" (الآثار الباقيَّة). مَن يقرأ كتب البيرونيّ، سيجده ضد التعصب الشّعوبي، أو الديني، فكان عينة مبكرة مِن التَّسامح، فليس غريبة عليه هذه الملاحظة.
كما ذكر الحموي الأصفهاني قائلاً: "وكان مع ذلك رفيعاً ناقص العقل، غير ثبت، ولم يُعرف في عصره أعرف منه بالفارسيَّة" (معجم الأدباء)، وهو الذي نقل عنه الحموي، وأشار إليه بالحمزة بن الحسن.
أمَّا عن ترهات هذه الرّواية، فليس مِن عاقل يعقلها، بأنَّ الصين أو الهند تهدي لكسرى خصياً، ليعطيه بغداد بقراها وبساتينها هديةً، وأنَّ اسمه "البغ" و"داد" أعطى، فيكون المعنى "الصّنم أعطانيّ"، غير أن ملفقي اليوم أخذوا يتشبثون بهذه النسبة، ليس جهلاً وإنما قصداً، كي يظهروا العراق بستاناً لغير العراقيين، ومع اختلافهم بكلِّ شيء، لكنهم متفقون في مزيفات حمزة الأصفهاني وابن الفقيه الهمذانيّ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. sjar

    منذ 1 سنة

    مجرد فكرة.... جور باغ هي منطقة في مدينة نيودلهي في الهند حيث يوجد بالقرب منها قبر همايون (قصر همايون) ويقال أن اسم بغداد يشبه إلى حد ما اسم جور باغ! كما يمكننا أن نقول أن جور باغ مأخوذة من اللغة الهندية وتعني حدائق جور وبغداد هي حدائق داد !!! ؟؟؟

يحدث الآن

العثور على 1500 قطعة أثرية في ذي قار

دمشق تتسلم سجن الأقطان في الرقة وتباشر تدقيق ملفات السجناء

مجلس الخدمة: توظيف الخريجين مرتبط بموازنة 2026 واستقرار الرواتب

إعادة 100 مهاجر عراقي من ليبيا إلى أربيل

خمس مواجهات اليوم في استكمال الجولة 14 من دوري نجوم العراق

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram