كاظم الواسطي فتحنا عيوننا ،منذ الصغر ، على مشهدٍ مقطّع بين الفقر والحلم . جمّلنا تعاسة العيش بفضاء الأمل ، وبحثنا في ثنايا الأحلام ، وبين صفحات كتب الكبار ، عن معانٍ نُقنع بها أنفسنا بأن ما يحدث لن يكون محتوما ، أو يدوم ، على ما هو عليه ، لزمنٍ طويل . وكنا نتحدث بحماسةٍ عما يستحق العيش في هذه الحياة ، ووجوب تمسكنا به مهما يحدث ، وبأي ثمن كان : أن نثبّت أوتاد الفقر بأجنحة الحلم كي تطير بها إلى مكان مختلف ، ينعم قاطنوه بالوفرة ، وكرامة العيش اللائق ، على أرضٍ تبرق بضياء الحرية وسعادة من حُرموا منها عهودا طويلة .
وكنا نفرح أيما فرحٍ بأحلام يقظتنا، رؤانا الدافقة بنقاء السريرة ، وصفاء الروح ، بلا ذاكرةٍ جمعيّة مشوّشة بالخوف والترويع . ولكن ، ما لم نكن نحسب له جيدا هو قسوة البعض على هذه الأرض ، وما يحفره في نفوسنا من خطوطٍ حمر لخارطة مصالحه المتنامية ، وأهوائه المنحرفة ، فبقينا مذهولين بممارساته الصادمة ، وأهواله المدوّخة : بين سجنٍ وحرب هناك موتٌ يتسع لأكثر من شعب . وبين فترة وأخرى ننتبه،مثل البلهاء ، إلى شيء ما يتهشم في نفوسنا ، ويتحطّم في عقولنا تحت ضرباتٍ خفيّة تهرس بقوتها الغاشمة ذاكرة أجيالٍ منزوعة الإرادة ، وفاقدة للأمل . ومن كان يوما على عرش السلطة علّق أمنياتنا في فضاءٍ معتم لا يستقبل ضوءاً أو طاقةً لتغيير المشهد الذي صنعه بفرض الخضوع المطلق لإرادته ، تحت مجرّدات " المصالح العليا " و" الرسالة الخالدة " و" القائد الضرورة " تلك المجرّدات التي تحوّلت إلى محرار لقياس حرارة الولاء ، وتحديد مستوى الاعتراض . وبعد كل معاناتنا ، وآلامنا ، وتضحياتنا التي لا تُعد ولا تُحصى بين أروقة الموت الضيقة ، وساحات الحروب المفتوحة على صنوف القتل المختلفة ، مازال البعض يستكثر علينا فسحة الحرية التي حصلنا عليها بعد تغيير صورة المشهد الأول، بالرغم من أن هذا البعض قدم بحماية قوة أخرى ، وتم انتخابه من المواطنين باسم مشروع الحرية ، وإعادة كرامة وكبرياء العراقي الذي تعرّض للإذلال طوال تلك العهود . ولكن يبدو أن القادمين من أماكنٍ لا نعرف كل أسرارها يتمتعون بقدراتٍ استثنائية ، وجرأةٍ عالية لا تقيم وزنا لأخلاقياتنا في السياسة والمجتمع ، ولكنهم ، والحق يقال، يجيدون الانقضاض على الغنائم ، وهم أسرع من الريح في الكسب غير المشروع، وتولي المناصب ، غير آبهين بحياة الغيرمن حولهم ، باستغلال انبهارهم ، وقوة صدمتهم بما جرى،لإعاقة تفكيرهم باستعادة أحلامهم الضائعة،وخداع مشاعرهم في القبول اللامشروط بالواقع الجديد الذي هيأت له وسائل الإقناع الدينية ، والطائفية ، والعشائرية ليكون البديل الوحيد عن الإرهاب الذي يفتك بحياة وممتلكات المواطنين ، والسد المنيع في وجه من يريدون العودة بنا للوراء ، بالرغم من استمرار قوى الإرهاب في عملها الإجرامي ، وتسلل الكثير من عناصر النظام السابق إلى المؤسسات الحكومية دون اعتذار أو إدانة لما حصل إبان العهد الدكتاتوري . ولكن يبدو أن ذلك يتيح للقادمين " من أجل الحرية " فرصاً أفضل للتسلل ، أيضاً ، إلى الموقع الأنسب ، والمنصب الأعلى ، ليعيدوا ذات المشهد ، ويعزفوا على اسطوانة الحرمان ذاتها . ولكن ، هذه المرة ، تحت تجريد " الديمقراطية " و" حقوق الإنسان " التي يريدون تجميد زئبقها على حرارة الولاء للماضي ، وتفسيرها بمنهجياته النصّية التي لا تقبل رأياً أو سلوكاً يتعارض أو يمس بمقولاتها الأحادية المقدسة .كان علينا – نحن المنذورين للحلم الإنساني – أن نكون أكثر فطنة، وألمع ذكاء، بأن نخلق في عقولنا رادارات حساسة للرصد وكشف ما ينوي ويخطط له العابثون بحياتنا ، وأن نصنع – ولو باستعارة منجزات الخيال العلمي – مسباراً ضوئياً يُنير ظلمات عقولٍ لا تعتبر من درسٍ ، ولا تعنيها حقوق الآخرين ، بل ما زالت تركن الحقوق ، والحريات على رفوفها المغبرّة .وحالما يطالب المواطن بحقه ، وحريته ، المكفولتين من الدستور ، أو يحاول ممارسة بعض منها ، حتى ينبري الغارقون في غبار الأزمنة الميتة ، والغارفون من منجزات فن الطبخ الحديث كل ما لّذ وطاب ، بانفعالية وتوتر لمواجهة هذه المطالب بوصفها خروجاً عن " بيت الطاعة " ، وتمرداً على أولي الأمر ، الممسكين بزمام " الديمقراطية " المنتعشة على الورق الصقيل ، وفي جلسات الاسترخاء المسائية . وإلاّ ماذا نطلق على منع فعاليات سيرك أجنبي قطع أفراده كل هذه المسافات الطويلة لترفيه ، وتسلية مواطنين لم يجدوا فرصة للفرح وسط الحروب ، والأمراض ، وسوء الخدمات ؟؟ ولماذا تستدعى فرق فنية من خارج العراق ، يتم صرف أموالٍ طائلة على دعوتها ، ثم تبلغ بمنع ممارسة فعالياتها الفنيّة التي جاءت من أجل تقديمها لجمهور أضنته المفخخات ، والأزمات اليومية ؟؟ إذا تصدى لنا أحدهم بادعاء أن بعضاً من الجمهور لا يريد هذا النوع من النشاط ، فنحن نقول له بأن هذا البعض نفسه يصرخ ليل نهار من انتشار الفساد المثير للجدل في مرافق حياتنا المختلفة ، ويعلن ، بصوت عالٍ ، عن تردي الخدمات الذي أرهق كاهل جميع المواطنين . فما الذي تم تحقيقه من المؤسسات المعنية في هذا المجال ؟؟ أسئلة كثيرة يواجهها صمت أكبر !!
حلم الحرية ما زال على رفٍ مغبر

نشر في: 8 فبراير, 2011: 05:57 م







