TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > العمود الثامن: طوفـان في بـلاد البعـث

العمود الثامن: طوفـان في بـلاد البعـث

نشر في: 9 فبراير, 2011: 07:00 م

علـي الأمـينمشهدان ختما حياة المخرج السوري عمر اميرلاي، الاول توقيعه على بيان تضامني مع ثورة النيل  فيما المشهد الثاني والاخير كان على الشباب المصريين وهم يشعلون الثورة  في وجه انظمة الاستبداد حينها ادرك مخرج طوفان في بلاد البعث  ان سنوات القهر والعزلة والاضطهاد التي عانى منها قد أثمرت وان شبابا قد احيوا الأمل في قلبه المتعب،فمنذ عام 2003 أيقن اميرلاي  ان زمن الدكتاتوريات العربية في طريقه الى الانقراض فقد صرح يومها بان سقوط تمثال صدام
بعث في قلبه الامل بزوال الدكتاتوريات، تلك الدكتاتوريات التي ناصبته العداء لجرأة كاميرته والموضوعات الشائكة التي حاول كشف المستور عنها، فما بين عشقه للسياسة وحبه للسينما تشكلت عين اميرلاي، مازجا  ما بين هذين العشقين بما انتج افلاما كانت تبحث عن القابعين على اطراف الحياة وابراز الوجوه المطحونة التي سرعان ما اخرجتها المخيلة نماذج حية على الشاشة، وكان ذلك امرا مرادفا للبدء بما يعيد الى اصل الهوية، حيث الجذور التي تضرب في اعماق الريف وتنطلق الى حارات دمشق وشوارعها الخلفية التي تنطوي على نبض الفقراء الذين انحازت لهم كاميرا اميرلاي، وعي لم يستسلم الى الخطابة الايديولوجية وان حاول مشاكستها وكشف خفاياها من خلال تقنيات فنية قادرة على تثوير وعي المشاهد جماليا وفكريا، بل تذهب اكثر من ذلك حين تسعى الى تثوير الوعي بالفن السينمائي نفسه ودفعه الى اقتحام مناطق غير مالوفة، والكشف عن شخصيات غير معتادة، مؤكدا الجماليات النوعية الخاصة لالتزامه الفكري الذي هو التزام فني في النهاية  ظل اميرلاي يصور افلامه بعين المشاكس السياسي ـ ولهذا لم يكن يختار مواضيع عابرة، فقد آمن منذ البداية اننا نعيش عصر الصورة، وان للصورة المشاهدة على الشاشة التاثير الذي يتضاءل  الى جانبه تاثير الكتابة وحتى الخطابة السياسية، خصوصا في مجتمعات عانت من تسلط السياسيين وخطبه الجوفاء وايضا من تزايد نسبة الامية، فلا تصل اليها الكتابة التي لا يبرز معناها إلا بواسطة الصورة التي تنقلها الى الملايين، واضعة امامهم العالم المقموع المهمش المسكوت عنه في الخطاب العام وغير المرئي على الشاشات الرسمية، الولوج الى عالم المحرمات كان جزءا من طموح اميرلاي الذي كان يختار موضوعاته بعناية فائقة، بدأ من اول افلامه."محاولة عن سد الفرات" عام 1977 وفيه حاول ان يعبر من خلاله عن نوع من التعبير عن قهر المثقف، وعجزه عن إنطاق الناس في الثمانينيات، قدم أميرلاي أفلاماً خارج سورية، مثل "مصائب قوم"  عن الحرب اللبنانية، وفي مصر صوّر "الحب الموؤود" و"العدو الحميم"عن المهاجرين العرب في فرنسا، وهذه جميعها من إنتاج التلفزيون الفرنسي. وفي التسعينيات انتقل أميرلاي إلى العمل على مجموعة من البورتريهات عن المسرحي سعد الله ونوس والمستعرب الفرنسي ميشال سورا والسياسي اللبناني رفيق الحريري والزعيمة الباكتسانية بناظير بوتو، وجاءت بمثابة تساؤلات حول المجتمع والحراك السياسي والتاريخي في المنطقة..يكتب  أميرلاي: " لغة الفيلم فوتوغرافية فعلاً، لكن المراد منها حث المشاهد على قراءة ما وراء الشفاه والحركة والصوت. فالعرب  فاقدون، للأسف، ملكة النطق والتعبير الحر منذ صادرها منهم الناطقون باسمهم. ويكفي أن يتابع المرء مقابلات التلفزيونات العربية  مع الناس العاديين، وغير العاديين، ليصعق حيال حجم الدمار الذي لحق بلسان الفرد وبتعبيره، خصوصاً عند الشباب والأطفال"ولعل الذروة في تجربة أميرلاي السينمائية، كانت في فيلم " طوفان في بلاد البعث"  الذي يروي لنا حكاية قرية «الماشي» السورية والتي يحكمها شيخ عشيرة نائب في البرلمان ويعاونه ابن أخيه مدير المدرسة ومسؤول حزب البعث.مثلت تلك القرية بشخصياتها ويومياتها عيّنة مصغرة وقدّمت رمزية بالغة الدلالة لمعنى أن يحكم حزب مثل حزب البعث وكيف يقبض الحزب الواحد على مفاصل الحياة ويغرس أيديولوجيته في عقول الناس  منذ نشأتهم عبر التلقين والترديد. فيلم يروي ماساة العرب مع ايديولوجيات مستبدة ترفع شعارات زائفةrn 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram