شاكر لعيبيكل متلق للصورة يمكن أن يكون مؤولاً لها وفق طريقته ووعيه النقدي وهواجسه. هناك من الصور ما يمنح نفسه بسهولة للتأويل ومنها ما يمتلك علاقات مجازية رهيفة قد تهرب من هذا وذاك. تقع عملية التأويل في صلب العلاقة بين الصورة ومتلقيها. في الصور الجماهيرية والأحداث الكبيرة كل المتلقين يساهمون في قراءة ما لها. تصير الصورة حدثاً مثل الانقلاب الكبير بالضبط، تغدو مناسبة للتأويل الجماهيري والنخبوي في آن واحد.
لنأخذ مناسبة مثل مناسبة الانتفاضة المصرية في 25 يناير/ كانون الثاني 2011 وواقعة انقضاض ثلة من العصابات بالخيول والجمال على المعتصمين يوم الأربعاء الثاني من شباط، ولنر كيف صارت صورة المهاجمين على حيواناتهم، الصورة بحد ذاتها مادة ثرية للتأويل والتفسير والمساءلة والتأمل، وعبرها تحول القارئ العادي والمدون والسياسي والصحفي والمفكر سيميائياً للصورة. عينات الأمثلة التي يمكن تقديمها دالة، فقد ذكر حسنين هيكل أن: "أسوأ ما في مصر سعى إلى محاولة قتل أنبل ما فيها. وهو ما شاهدناه حيث كان اقتحام الخيول والجمال والحمير لميدان التحرير رمزاً له".تأوبل هيكل الرمزي يشير إلى بدائية النظام الذي فكر بأسلوب معالجة ساذج للحدث هو المعادل لطبيعته السياسية. تأويل يجد في الصورة براهينه، ونلتقي بالكثير من أمثاله في التصريحات التي ذهب بعضها الى القول، مثلما فعل الممثل خالد النبوي، إن مؤيدي مبارك على الخيول والجمال قد أسقطوه في نهاية المطاف.تستحث الصورة لذلك ما يقع خلفها وما يجاورها وما تخفيه ظاهرياً لكنها تعبر عنه في الحقيقة ببراعة استعارية فائقة. إن ما تخفيه أهم مما تُظهره. غالبية من علق على الصورة حاول التنقيب في المخفي فيها، المجازي والاستعاري، وإن ظل الجميع في أفق تأويل يماثل تحليل هيكل أو قريبا منه، وأحيانا بمرجعيات دينية. انطلقت مقالة منشورة على أحد المواقع من الآية (والخيل و البغال والحمير لتركبوها وزينة) وفيها يعتقد الكاتب أن العصابات التي “جاءت بالبلطجية على ظهور الجمال والبغال ليروّعوا المتظاهرين كان مشهدا مثيرا للاستغراب.. بدا مشهدا خارج المألوف لا بسبب غرائبيته التي تدرجه في عالم القرون الوسطى، بل ربما كان يعكس في تأويل آخر تلك الذهنية المتخلفة والمغرقة في نزعتها الاستبدادية بأشد الصور إيغالا وابتذالا".تستحث الصورة الذكريات والتجارب بطريقة واعية غالبا وأحيانا غير واعية، والأخيرة قد تكون أهم فعل من أفعالها على الإطلاق. لم تسلم من حمى الذكريات المرتبطة بهذه الصور المدونات في العالم العربي. كتب أحدهم: "كأنني أشاهد فيلما مصريا بالأسود والأبيض، فإذا أردت تخريب حفل فما عليك إلا إرسال مجموعة بلطجية ليتشاجروا مع أهل الحفل بالنقل التلفزيوني الحي". استجلبت الصورة لدى مدون آخر من سوريا عنصرا قريبا من اهتمامات التحليل النفسي، لأنه رأى فيها “عملية اغتصاب ساديّ لأم الدنيا على الهواء مباشرة".بلاغة صورة الواقعة المذكورة تسمح بجميع أنواع القراءات لكنها تقول بطريقة مفحمة أمرا لا مجال للشك فيه بحال. لقد قرأ الجمهور العريض في العالم فحواها، كل حسب رأيه وإن بقي الجميع في حقل دلالي واحد عريض، ثم دفع فحواها وزيرا مصريا للاعتذار وفتح تحقيق. الصحافة الرسمية المصرية وحدها لم تجد ما يستحق تحليلا لها، لم تجد فيها معنى. فقد دفعت الصورة تلك الصحافة إلى حالة إغماء، بسبب كثافة الفكرة التي تعلن عنها. ومثل صحيفة الأهرام لم يجد سماحة مفتي السعودية في جميع ما سمعه ورآه من صور في مصر المنتفضة سوى “فتنة” بين المسلمين. أبعدنا الله وإياه عن شرها، فتنة الصورة البليغة خاصة.
تلويحة المدى :متلقّي الصورة سيميائياً

نشر في: 11 فبراير, 2011: 05:32 م







