TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: الجمال يكمن في قدح قهوة

باليت المدى: الجمال يكمن في قدح قهوة

نشر في: 10 فبراير, 2025: 12:11 ص

 ستار كاووش

للقهوة جاذبية خاصة، سواء من ناحية طرق تحضيرها وأنواعها أو شربها، وكل شخص يحتسيها بطريقته وفي الأوقات التي تناسب حياته ويومياته ومزاجه. وهي كأي شراب آخر تخضع لبعض التأثيرات والعوامل كثقافة الناس وحتى البلدان، فمنهم من يضيف لها السكر وآخر يخلطها بالحليب، والغالبية تحتسيها مرة دون أية إضافات. بشكل شخصي أحب القهوة دون إضافات، والأهم من ذلك هو أنني أبتعد دون تردد عن شربها بالأقداح البلاستيكية ذات الإستعمال الواحد، حتى لو تطلب مني ذلك خلال حفلة بالهواء الطلق أو في مناسبة معينة خارج البيت. وهذا ينطبق أيضاً على المشروبات الأخرى المختلفة، ذلك لأني أحس بأن طعم القهوة -وحتى النبيذ- يتغير في هذه الأقداح، ويبقى الزجاج هنا هو وحده صاحب الكلمة، وأشعر كلما كان شكل القدح جميلاً كلما أصبح طعم الشراب طيباً وقراحاً. فشكل القدح وتصميمه والمادة المصنوع منها له تأثير كبير على طعم الشراب، فيما قدح البلاستيك يشبه ابتسامة مصطنعة، انه إزدراء لقيمة الشراب واستخفاف بنبل المتعة وعذوبة التذوق. وإن خيروني على سبيل الفانتازيا، فربما سأتمنى شرب قهوتي بكأس أركسيلاوس التاريخي المليء بالرسومات التي تعود الى ألفين وخمسمائة سنة ويعتبر من أهم القطع الفنية عند الأغريق، أو أن احتسيها في الإناء النذري الفريد الذي يعود لأكثر من خمسة آلاف سنة في الوركاء العراقية، ويعتبر من أعظم ما أنجزته البشرية عبر تاريخها. لكني سوف لن أغالي هكذا، وسأسعى دائماً لشرب قهوتي في قدح زجاجي أو حتى من السيراميك او البورسلين، فهذا يضع كل شيء في مكانه الطبيعي والمستحق.
جميل أن تكون لديكَ طقوساً شخصية تتعلق بحياتك أو نوع عملك. وقد إعتدتُ مثلاً قبلَ توجهي للمرسم صباحاً أن ألفَّ منديلي الملون على رقبتي لإعتقادي بأنه سيجلب لي لوحات جميلة. ومثلما دأبتُ على أن أحمل معي تفاحة أضعها على طاولة المرسم، فتبدو مثل قلب صغير وملون، أو رمزاً مرادفاً للجمال والغواية والألفة، فأنا مغرمٌ بأقداح القهوة عموماً، بأشكالها وألوانها المتنوعة، وتعودتُ على شرب الكثير منها بين أوقات الاستراحة من الرسم، والتركيز أو الإستغراق ببعض الأفكار التي يمكنها أن تسعفني لتغيير بعض تفاصيل لوحة ما أو حتى إيجاد موضوعات مناسبة للكتابة. وعادة ما أصحب قهوتي ببعض الكعك المَحَلِّي الذي يسمى في هولندا كعك الفطور، والذي تحايلتُ على إسمه وجعلته ملازماً لقهوتي في كل الأوقات. وفي أيام معينة أتوجه الى المتجر القريب من المرسم والذي يكتظ بالعاديات، باحثاً عن أقداح ذات أشكال وألوان وحجوم غريبة، هكذا دون مناسبة ولا حاجة لإنتظار أن تُكسر الأقداح القديمة، لذا تنوعتْ عندي الأقداح، فهناك أقداح بألوان زاهية ومشرقة أستعملها في الصباح، وأخرى ذات العروة الكبيرة التي أمسكها بثبات وقت الظهيرة، فيما هناك أقداحاً تبدو صقيلة وناعمة، وتُثير عندي مشاعر ودودة، وهذه أستعملها في المساء. وفي حالة زيارة الاصدقاء لي فأنا أستعمل اقداحاً أخرى تكون متشابهة لنا جميعاً حتى لا أبدو متميزاً أو مختلف عن الآخرين.
قبل أكثر من ثلاثين سنة حين كنتُ في مدينة كييف، أرسل لي صديقي فنان الكاريكاتير المذهل عبد الرحيم ياسر رسالة من بغداد يخاطبني فيها (هناك أقداح كثيرة ومختلفة لم تشرب بها بعد، لذا عليك الإعتناء بنفسك والتمهل بإندفاعاتك….) وكان محقاً، حيث صرتُ وقتها أتنقل بين المقاهي والحانات لأجرب أقداحها، ثم أجوب المتاحف متمعناً بالأقداح الفخارية القديمة التي صنعها الأغريق والرومان والعراقيين القدماء، وأقف أمامَ لوحات الرسم التي تركها لنا الرسامون الكبار، ومنهم رسامي هولندا الذين عكسوا الحياة اليومية قبل مئات السنين، متطلعاً الى الفلاحين في لوحات بيتر برويغل وهم يجلبون أقداحهم وملاعقهم معهم عند الذهاب الى أية دعوة أو حفلة أو مأدبة تُقام في القرية.
وأتذكر أيام أكاديمية الفنون الجميلة بداية الثمانينيات، حين تخرَّجَ قبلنا الصديق الفنان قاسم سبتي وصار متعهداً لنادي ومطعم الأكاديمية، ولم نأخذ على محمل الجد تعهدهُ لنا بتوقف النادي عن إستخدام الأقداح البلاستيكية، حتى فوجئنا في صباح اليوم التالي عند دخولنا الأكاديمية، بالكثير من الأعلانات التي علقها على الأشجار والجدران، والتي كتبَ عليها ساخراً من شعارات تلك الفترة (تسقط الأقداح البلاستيكية اللعينة، وتحيا الأقداح الزجاجية الجميلة)
في النهاية لا يمكنني الحديث عن القهوة، دون إستعادة تلك الظهيرة في أيامي الأولى بهولندا، حين كنتُ منشغلاً وقتها بتحضير القهوة، وسمعتُ جرس البيت، وحين فتحت الباب، رأيتُ امرأة جميلة متوسطة العمر، ومع إبتسامة طيبة مَدَّتْ نحوي قدح جميل ومغلف بشكل جميل، وقد طبعت عليه صورة الملكة بياتريكس، وخاطبتي قائلة (أنا أوزع هذه الأكواب كهدية للناس بمناسبة عيد ميلاد الملكة بياتريكس الذي يصادف اليوم، فهل تود أن تحصل على هذا القدح كتذكار؟) فقبلته منها بترحاب شديد، ومازال هذا القدح معي، أخرجه مرة واحدة في السنة، أملأه بالقهوة وأضعه على الطاولة كتحية لتلك الذكرى الجميلة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram