TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل يختفي الكتاب الورقي؟!

هل يختفي الكتاب الورقي؟!

نشر في: 18 فبراير, 2025: 12:01 ص

عبد الكريم البليخ

شهدت صناعة النشر تحولات كبرى في العصر الرقمي، حيث لم يعد النشر الورقي هو الوسيلة الوحيدة لإيصال الكتب إلى القرّاء. فقد فرض النشر الإلكتروني نفسه بقوة، متيحاً للكتّاب إمكانية نشر أعمالهم بسهولة ودون الحاجة إلى المرور بالإجراءات التقليدية التي كانت تتطلب وقتاً طويلاً وتكاليف مرتفعة. بلمسة زر، أصبح بإمكان أي مؤلف طرح كتابه أمام جمهور عالمي، دون الحاجة إلى طباعة أو توزيع فيزيائي، ما فتح المجال أمام العديد من المواهب التي لم يكن بإمكانها سابقاً دخول عالم النشر بسبب العقبات المالية والإدارية. لكن مع هذا التطور الكبير، برزت تساؤلات ملحّة حول حقوق الملكية الفكرية، ومدى مشروعية تداول الكتب الإلكترونية مجاناً، والانعكاسات التي قد تترتب على ذلك بالنسبة إلى المؤلفين ودور النشر والمكتبات.
يمنح النشر الإلكتروني الكتّاب والناشرين مزايا لم تكن متاحة في النشر الورقي التقليدي، لعل أبرزها إلغاء التكاليف المرتبطة بالطباعة والتوزيع، ما يسمح بنشر الكتب بسرعة وبتكلفة شبه معدومة. فبدلاً من الانتظار شهوراً حتى يتم إصدار الكتاب في نسخة مطبوعة، أصبح من الممكن نشره إلكترونياً في غضون لحظات، ليكون متاحاً أمام ملايين القرّاء حول العالم. إلى جانب ذلك، يتيح النشر الرقمي إمكانية تعديل وتحديث النصوص بسهولة، مما يوفر مرونة كبيرة للكتّاب الذين يرغبون في تطوير أعمالهم أو تحديث معلوماتها باستمرار. كما أن المنصات الإلكترونية تمنح القرّاء حرية الوصول إلى الكتب في أي وقت ومن أي مكان، مما يساهم في نشر المعرفة على نطاق أوسع من ذي قبل.
إضافة إلى ذلك، فإن النشر الإلكتروني لا يفرض قيوداً جغرافية، فبينما كان الكتاب الورقي يحتاج إلى عمليات توزيع وشحن للوصول إلى قرّاء في أماكن مختلفة، فإن الكتاب الرقمي يمكن تحميله وقراءته مباشرة بمجرد نشره، ما يمنح المؤلفين فرصة غير مسبوقة للوصول إلى أسواق جديدة لم يكن من السهل اختراقها في السابق. كما أن توفر الكتب الإلكترونية بأسعار أقل – وأحياناً مجاناً – يشجّع على القراءة، ويتيح للقراء الاطلاع على محتوى متنوع دون الحاجة إلى إنفاق الكثير من المال.
لكن رغم هذه الإيجابيات، فإن النشر الإلكتروني يطرح تحديات معقدة، وأهمها مسألة حقوق الملكية الفكرية. في ظل غياب الحاجة إلى نسخ مادية، بات من السهل نسخ الكتب الإلكترونية وتداولها على الإنترنت دون إذن من أصحابها، ما يطرح إشكالية جوهرية: هل ينبغي اعتبار الكتب الإلكترونية ملكية عامة متاحة للجميع، أم أن القرصنة الرقمية تشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق المؤلفين؟
بعض المدافعين عن النشر المجاني يرون أن تداول الكتب الإلكترونية دون قيود يُساهم في نشر المعرفة وإتاحة المحتوى للجميع، لا سيما في البلدان النامية التي قد لا تكون فيها الكتب المطبوعة متاحة أو في متناول الجميع. لكن على الجانب الآخر، يرى الناشرون والكتّاب أن هذه الظاهرة تهدد مستقبل الإبداع، إذ قد تدفع المؤلفين إلى التوقف عن الكتابة إذا لم يكن هناك عائد مادي يحفّزهم على الاستمرار.
من المثير للاهتمام أن بعض المؤلفين قد استفادوا من النشر الإلكتروني المجاني بطريقة غير متوقعة. على سبيل المثال، قام الروائي البرازيلي الشهير باولو كويلو بإتاحة إحدى رواياته مجاناً على الإنترنت، ولم يؤد ذلك إلى انخفاض مبيعات كتبه الورقية، بل على العكس، ساعده الأمر على الوصول إلى جمهور أوسع وزيادة شعبيته. هذا النموذج يثبت أن النشر المجاني قد يكون أداة تسويقية فعالة في بعض الحالات، حيث يساهم في تعريف القرّاء بأعمال المؤلف، ما قد يدفعهم إلى شراء إصداراته المستقبلية أو اقتناء النسخ المطبوعة لدعمه.
لكن نجاح هذا الأسلوب يعتمد على عوامل عدة، منها شهرة الكاتب، ومدى تفاعل الجمهور مع أعماله، وكذلك طبيعة السوق المستهدفة. فلا يمكن اعتبار النشر المجاني حلًا يناسب جميع المؤلفين، إذ قد يكون مضراً ببعضهم، لا سيما أولئك الذين لا يملكون قاعدة جماهيرية واسعة أو لا يعتمدون على مصادر دخل أخرى غير الكتابة.
إلى جانب تأثيره على المؤلفين، فإن النشر الإلكتروني يغيّر معادلة سوق الكتب بالكامل. فالمكتبات التقليدية التي لطالما كانت المصدر الرئيسي للحصول على الكتب باتت تواجه خطر التراجع، إذ يفضّل كثير من القرّاء تحميل الكتب الإلكترونية بدلاً من شراء النسخ الورقية. حتى دور النشر نفسها بدأت تعيد النظر في نماذجها التسويقية، حيث أصبح عليها التكيف مع التحول الرقمي، سواء من خلال توفير إصدارات إلكترونية لمطبوعاتها، أو البحث عن طرق جديدة لحماية حقوق المؤلفين من القرصنة.
لكن رغم انتشار الكتب الرقمية، لا يزال للكتاب الورقي سحره الخاص الذي يجذب شريحة كبيرة من القرّاء. فالعديد من محبي القراءة يجدون متعة خاصة في اقتناء الكتب وملامسة صفحاتها، والاستمتاع برائحتها وأجواء قراءتها بعيداً عن الشاشات الإلكترونية. ولهذا السبب، لا يتوقع أن يختفي الكتاب الورقي في المستقبل القريب، لكنه بالتأكيد سيشهد تحولات قد تغير من طبيعته ومكانته في عالم القراءة.
في ظل هذه التغيرات، يبدو أن الحل يكمن في إيجاد توازن بين حقوق المؤلفين وإتاحة المعرفة للجميع. قد يكون من الضروري تطوير أنظمة تحمي حقوق النشر الرقمي، مثل فرض قيود على مشاركة الملفات، أو اعتماد نماذج اشتراك تتيح للقرّاء الوصول إلى الكتب بطريقة قانونية وبأسعار مناسبة، مع ضمان حصول المؤلفين على نصيبهم العادل من العائدات. كما يمكن للمؤلفين ودور النشر التفكير في استراتيجيات جديدة، مثل تقديم محتوى مجاني بشكل جزئي كأداة تسويقية، مع الإبقاء على المحتوى الكامل مقابل سعر محدد.
ختاماً، يمكن القول إن النشر الإلكتروني أحدث ثورة غير مسبوقة في عالم صناعة الكتب، فاتحاً الباب أمام فرص واسعة للانتشار والمعرفة، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات تحتاج إلى حلول مبتكرة. وبينما يواصل القرّاء الاستفادة من سهولة الوصول إلى الكتب الرقمية، يظل من الضروري حماية حقوق المؤلفين لضمان استمرار عجلة الإبداع والإنتاج الأدبي. فالمستقبل لن يكون ورقياً بالكامل، ولن يكون رقمياً بالكامل، بل سيكون مزيجاً ذكياً يجمع بين مزايا العالمين، ليُحافظ على جوهر المعرفة في عصر يتغير بسرعة غير مسبوقة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

القضاء الأعلى: معتقلو داعش تحت سلطة القضاء العراقي

التجارة: 1000 دينار فقط بدل الحصة التموينية وتوزيع الطحين كاملاً

أكثر من 8 ملايين طفل في السودان محرومون من التعليم بسبب الحرب

التخطيط: تسجيل أكثر من 4 ملايين موظف ضمن مشروع «البنك الوظيفي»

ارتفاع النفط مع تراجع مخاوف الحرب التجارية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram