TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > من البرج العاجي:انـطـبــــاع

من البرج العاجي:انـطـبــــاع

نشر في: 13 فبراير, 2011: 05:23 م

فوزي كريم 1في غمرة شمس الشتاء الخليجي، واحتضان الأصدقاء، والاستكانة للراحة، التي أتمتع بها هرباً من شتاء لندن، يداهمني التاريخ، لا بالحدث العابر الذي يؤلب على الاستجابة أو ردة الفعل، بل بالحدث الذي يفاجئك أكبرَ من حجم الحياة ذاتها. فيعطّل لديك حتى ردة الفعل: الشعب في تونس يستعيد وطنه من قبضة حاكمه المستبد. الشعب المصري
يحاول ذلك حتى أسبوعه الثالث هذا، وأنا أكتب. يحاوله بثقة من يقبض على وطنه بيقين، ويقدّر طرقاً خيالية لإقالة أو هرب المستبد. وأنا بدوري أتخيل شعوباً عربية أخرى تتملى الأمر بجدية من سيجرب ذلك. فالطريق سالك: ألم يسقط أعتاهم، وأشدهم جبروتاً وهو صدام حسين؟    سنقول إنّ هذا الأخير أسقطته قوى خارجية! ولكن ما الفرق، إذا ما كانت هذه القوى الخارجية، لمصلحة ما، استجابة متوافقة مع قوى الشعب المنهكة المستضعفة؟ الشعب التونسي لمْ يكن مُنهكاً مُستضعفاً كالشعب العراقي. الشعب المصري لم يكن مُنهكاً مُستضعفاً بالطريقة ذاتها. الفارق هنا كامن في طبيعة الحاكم المستبد. كان صدام حسين يستعين بالحكم الاستبدادي ليواصل القتل. الآخران يستعينان بالقتل ليواصلا الحكم الاستبدادي.لم يهرب مثقفو تونس ولا مثقفو مصر من قبضة المستبد، بالطريقة التي حدثت للمثقف العراقي.وما من معارضة عراقية داخل العراق في عهد صدام حسين، ولا يمكن تخيل ذلك، مقارنة بالمعارضة ذات الوقع المؤثر في تونس ومصر.ولك أن تتخيل الأمر على مستوى الشعب عامة.فالذين هربوا من سلطة القاتل في العراق يُقدرون بالملايين.لا أريد أن أنسب فضلاً لمستبدي تونس ومصر في هذا. فجريمة المستبد، في النهاية، واحدة. ولكن الشعب، مهما بلغت مراحل قمعه، لا بد له من مُتنفس، ولو بالسر، ليحافظ على رئة ناشطة تضمن له قدرة على الحركة. وعلى هذا الضوء هل من بلد عربي آخر يمكن أنْ يُقرن بعراق صدام حسين، بحيث تبدوا انتفاضة الشعب المنهك فيه شبه مستحيلة دون استعانة بالخارج، كما حدث في العراق؟ أعتقد أن ليبيا القذافي أقربُ المرشحين لهذا الشبه.فالشعب الليبي غُيّب في العتمة، خارج التاريخ، أكثر من نصف قرن، ولم تعد رئته متعافية.ما أريد إيضاحه هو أن مرحلة "إزالة الحاكم المستبد"، واستعادة الشعب لوطنه من قبضة الدكتاتور، أصبحت ممكنة، بغض النظر عن اعتماد الشعب على قواه الداخلية برئته المتعافية، أو استعانته بقوى خارجية برئته المعطوبة. الشعب العربي لمْ يعدْ يطمئن لمصداقية مفهوم "السيادة الوطنية"، الذي فرضه الحكم العربي الإسلامي الاستبدادي طوال قرن ونصف، بالصيغة المقدسة المعهودة.والشعب العربي استيقظ على عصر الإنترنيت، والتحم معه، وصار كيانه الإنساني على تواصل حر ومفتوح مع كيان الآخر الإنساني حيث يكون. لم يعد يثق بلغة الأحزاب العقائدية، ولا لغة الكراهية، وخاصة كراهية الغرب. الذين خرجوا إلى الشوارع في تونس ومصر بشر من لحم ودم، لا أرقام في كادر حزبي. ما من لافتات وشعارات مُعدة مُسبقاً تحت ظل هذه العقيدة أو تلك، كما حدث في العراق على يد كتل حزبية، استثمرت التغيير باسم مثل إيهامية. وما من أهداف مثالية لبناء دولة المستقبل التي ستطل، مقترنة دائماً بطلعة قيادة نضالية مع إشراقة الشمس. الناس اليوم أكثر عقلانية، وواقعية. قد لا يرحل مبارك على طريقة بن علي. قد يعبر الأزمة بسبل سحرية. ولكن عهد المصريين بالحكم الاستبدادي الفردي قد تلاشى إلى الأبد. شعوب العرب الأخرى وضعت على لائحة أولوياتها ضرورة التغيير لأنها ضرورة ممكنة. لا رائحة فيها للاستحالة، كما كانت في عهد صدام حسين. ولهذا السبب وحده يُخيل لي أن الشرارة التي أصبحت لهباً في تونس وفي مصر، والتي بدت حرارتها حييةً في اليمن والسودان، إنما بدأت في العراق قبل سنوات سبع. الذي أربك وجه الشبه هو التدخل الخارجي. مع أن وجه الشبه يجب أن لا يغادر حقيقة وواقع زوال الدكتاتور المستبد، وبناء الحكم الدستوري الديمقراطي.هل بدأت مرحلة زوال الحكم الاستبدادي، الذي تأصل في دمنا منذ تأسيس الدولة العربية الإسلامية حتى اليوم؟rn2 ثورة الشبيبة في تونس ومصر، بدأت شرارتها من  العراق. ولكنها لم تكن على يد الشبيبة، بل على يد أجنبية. وتعزّيت، بحكم هذا الفارق، بقطف الثمار الممثلة بزوال سلطة الدكتاتور، أو الحكم الاستبدادي. على أن الفرق في النتائج سيظل قائماً، وبارزاً. لأن اليد الأجنبية لا تخلوا من مصلحة، ولا تخلوا من عدم دراية. ولأنها تريد أن تُقيم ديمقراطية تُشبه ديمقراطيتها لكن على فراغ، تلجأ إلى أحزاب المعارضة الجاهزة. وهي أحزاب طوائف وعقائد. أحزاب مصالح تقتصر على قياداتها، وكوادرها. والشعب سيظل خارج هذه المصلحة إلى حين، لا يعرفُ أحدٌ كم سيطول. نعم، في العراق حدث هذا. بدأت فضائح القيادات والكوادر الحزبية، في التسلط وكنز الثروة وإشباع الشهوات، تُزكم أنوف العامة. وبدأت الهوّةُ بين سلطة الأحزاب وتطلعات العامة تتسع إلى مقدار لا يخفى فيه وجهُ الشبه بين ما يحدث وما كان حادثاً. وإذا ما كانت رئة العراقيين معطوبة في السابق، بفعل سلطة بالغة القمع، فإنها اليوم في دور النقاهة، بفعل سلطة بالغة الفساد. وستملك الرئة المتعافية، ولعلها ملكت الآن، قابليةَ أن تصرخ محتجةً منددة. ولكن بطبقة الصوت ال

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

مقالات ذات صلة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

في اليوم العالمي للتلفزيون.. ضيوف القفشة خطيئة مقدمي الطشة

زينب ربيع وأنا اتتبع كل ما من شأنه أن يستذكر دور التلفاز، لا بوصفه جهازًا بقدر ما هو ارتكاز، فالمحتوى المرئي الذي يخرج عبر شاشة العرض ليس إلا “الطبق الجاهز” لسلسلة عميقة من عمليات...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram