TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: في سؤال الثقافة الوطنية والقومية

قناطر: في سؤال الثقافة الوطنية والقومية

نشر في: 26 فبراير, 2025: 12:03 ص

طالب عبد العزيز

ندركُ تماماً بأنَّه لكلِّ ثقافة خصيصة ما، وهناك اختلافات وتباينات بين ثقافة وأخرى، وللتأريخ وطبيعة المجتمع ونظام الحكم وغيرها أسباب تجعل من الثقافة هذه مختلفة عن غيرها، يتضح ذلك بوضوح في الثقافات مختلفة اللغات، ونجدها أكثر بين الشعوب والقوميات غير المرتبطة بعرق ودين وتاريخ واحد لكنْ أنْ نراها مختلفة عن سواها في بلد ما يشترك مع مجموعة بلدان في العِرق والقومية واللغة والدين والتأريخ أمرٌ يستدعي التأمل والوقوف على أسبابه، وهذا ما لمسته في الثقافة المصرية، التي تميل جداً لصالح كلِّ ما هو مصري.
ربما تكون جملة الشاعر المصري أحمد الشهاوي التي وردت ضمن مقدمته لسلسلة بعنوان (ديوان الشعر المصري) وهي من اختياره وتقديمه، وتصدر عن الهيئة المصرية للكتاب مدعاة لما نودُّ الإشارة اليه في الورقة هذه فهو يكتب:.. كما انه ينبغي ادراك خصوصية الشاعر المصري وشعره المكتوب في بلاد النيل، حيث يغيب"ذكر الاطلال والرسوم او بكاء الديار والدمن ولا نسمع عن حديث الاثافي والناقة او غير ذلك مما تعودناه من شعراء البادية" وهذه إشارة تنبهنا الى أنَّ خصوصية ما تجعل من الشعر والشاعر المصريين خارج المشترك العربي شعرياً وثقافياً، فلا بكاء على الاطلال ولا على الديار والاثافي.. على الرغم من أنَّ الشعراء الثلاثة الذين إختارهم(المهذب بن الزبير توفي 561) و(ابن الكيزاني توفي 562) و(ابن قلاقس توفي 567 هجرية) هم من أعلام النصف الأول من القرن السادس الهجري.
وتأسيساً على ذلك يذهب الشهاوي الى ان الجامعة الاهلية التي تاسست في مصر سنة 1907 انشغلت بدراسة الادب العربي منذ العصر الجاهلي مرورا بالاموي والعباسي والاندلسي لكننا لم ندرس في الجامعة ما يمكن تسميته بالعصر المصري، او أدب مصر القديمة". وهذه انتباهة هامة، يجد الدارسُ الحقَّ في البحث عنها، ونلمسُ تغليباً لثقافة الوطن التي تم تذويبها في ثقافة الأمة، وبمعنى ما هناك ما هو مختلفٌ في الداخل علينا معاينته بعيداً عن سلطة المركز، وفيه مراجعة للنزعة القومية التي كانت سائدة في سياسة مصر بالذات منذ عصر النهصة وحتى وقت قريب.
كانت كلية الاداب في الجامعة المصرية قد خصصت كرسيا لدراسة الادب المصري في العهد الإسلامي وان محمد كامل حسين (1901-1977) له كتاب بعنوان" الادب العربي بمصر من الفتح الإسلامي الى دخول الفاطميين" فيكتب الشهاوي "مصرية مصر شعرياً أمرٌ مهم وحقيقي" ونرى في العبارة تأكيداً على الذات المصرية، التي كتبت الشعر خالصاً لجغرافيا وتأريخ خاصَين، وبما يحيلنا الى ما دعا اليه سلامة موسى (1887-1958) ومحمد حسين هيكل (1888-1956) الى "ادب مصري خاص". وواضح ان السلسلة (ديوان الشعر المصري) تسعى الى الاهتمام بما انتجته مصر، من شعر مكتوب خلال الف عام من الكتابة باللغة العربية، لكنَّ الشهاوي لا يتفق مع سلامة موسى وهيكل في دعواهما تلك، ولا يريد أنْ يكرس نوعاً من النأي اللغوي والتاريخي.
الشعراء الثلاثة الذين ذكروا في المقدمة ولدوا وماتوا في فترة الدولة الفاطمية(397-567هجرية) التي اسقطت على يد الدولة الايوبية، والتي أجهزت على كثير من المخطوطات التي كتبت، وأحرقت ما كان منها محفوظاً في مكتبات وبيوت الفاطميين، ضمن سعيها الى طمس معالم الفترة تلك، بوصفها تركةً شيعية، وبعلمنا فأنَّ هناك الكثير الذي فقد خلال حكم الأيوبيين، لكنَّ التاريخ عند الشهاوي يعلمنا بأنَّ مصر كانت قد عاشت مستقلةً عن دول الخلافة في دمشق وبغداد نحو سبعة قرون، وأنها لم تتمكن من تسويق شعرائها وتقديمهم عربياً، وبما يستدعي التنبيه الى الادب المصري المكتوب بالشعور المصري، الخاص، وغير المرتبط بالادب العربي في بلدان الجزيرة والشام والعراق.
لا نعرف عن أدبنا المكتوب في العراق قبل الفتح العربي سنة 14 هجرية شيئاً، ولم يبحث أمرُ ثقافتنا العراقية في الفترة هذه، البعض يتحدث عن اللغة الأكادية بوصفها اللغة المستعملة في الحديث والتدوين لكنَّ لم يصلنا من شعرنا المكتوب أو المتداول بها، وواضح أنَّ فجوة عميقة جداً تفصلنا عن آخر لوح رافديني وما كتب في القرن الأول الهجري. ترى، هل كانت أفكار الدولة القومية قد نهشت جسد الثقافة الوطنية أم أنَّ آلة البحث عجزت عن تقريب المسافة بين الثقافتين؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram