TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: من يتذكر سعيد شنين؟

باليت المدى: من يتذكر سعيد شنين؟

نشر في: 3 مارس, 2025: 12:55 ص

 ستار كاووش

من سنحت له فرصة متابعة الفن التشكيلي العراقي بشكل جيد، سيعرف لماذا أتساءل عن سعيد شنين، هذا الفنان الذي كان في الثمانينيات يملأ الوسط الفني بجمال خطوطه وقوة تكويناته المبتكرة وإحساسه المذهل في رسم الواقع. حيث كان يخرج من معهد الفنون الجميلة، ليتجول بين مقاهي بغداد وأماكنها المكتظة بالناس، لينهل منها موضوعات وشخصيات لوحاته. كان سعيد شنين واحداً من أفضل الفنانين العراقيين الذين امتلكوا ناصية التخطيط والرسم الواقعي بمهارة وحساسية. أتذكره وهو يمسك قلم الرصاص ويحركه على الورق، ليصنع بكل متعة شخصيات تبدوا تتحرك وتتنفس مثلنا، وهكذا في كل مرة يمرر فيها سعيد أدواته على سطوح الرسم، يحولها الى سحر لا مثيل له. وفي كل السنوات التي عرفته فيها لم أره يوماً دون أوراقه وأقلامه وحقيبته الصغيرة المليئة بالتخطيطات التي كان ينفذها في هذه المقهى أو ذاك الشارع أو حتى السوق. والكثير من أبطال لوحاته هم غالباً من الغرباء العابرين إضافة الى أصدقاءه الذين يجعلهم يتحركون بين ثنايا أعماله مبتهجين، بعد أن صاروا له موديلات مجانية، ويُضافُ الى كلِّ هولاء، تلك الشخصيات التي كان يبتكرها من خياله الخصب.
ولأننا ولدنا في بغداد في ذات السنة، فقد كنتُ قد سمعت بإسمه مبكراً منذ دراستنا المتوسطة، حيث كانت أخبار هذا الفنان المذهل تتطاير هنا وهناك لأنه كان متمكناً من معرفة أساسيات الرسم، ولا أُغالي إن قلت بأنه كان في هذا المجال بمصافِ فناني العالم الكبار.
أتذكر كيف ذهبتُ لأول مرة الى مقهى حسن عجمي بشارع الرشيد أثناء دراستي الثانوية بنصيحة من الكاتب الصديق شوقي كريم حسن، وكان الأدباء قد إنتقلوا اليها تواً من مقرهم في مقهى البرلمان في ذات الشارع، حينها كان سعيد أحد نجوم المقهى رغم حداثة سنه، وكان يقوم برسم بورتريهات مباشرة للكثير من الأدباء، وأتذكر كيف كانت نسخ المجموعة القصصية (أصوات عالية) التي اشترك فيها شوقى كريم وعبد الستار البيضاني وحميد المختار وحسن مطلك، تتلقفها أيدي رواد المقهى، وتستوقفهم بورتريهات الأدباء الأربعة الذين رسمهم سعيد في الكتاب. ومثلما انبهرتُ وقتها بعالم الأدب والأدباء داخل المقهى، فقد توقفت مندهشاً أمام تخطيطات سعيد التي إحتواها ذلك الكتاب، وقلت في قرارة نفسي (الآن عرفت لماذا نال سعيد هذه المكانه العظيمة بين أبناء جيلنا، حتى وهو في هذا العمر)، وحين لمحني شوقي كريم أنظر بإعجاب الى الرسومات وأتمعن بها قبل إهتمامي بقصص الكتاب، قال لي بإبتسامة ممزوجة بالإعجاب (لقد رسمها لنا هذا اللعين هنا في المقهى مباشرة قبل أن ندفع الكتاب الى المطبعة بيوم واحد).
كان يمكن أن يتحول سعيد شنين الى مؤسسة أكاديمية تعني بالرسم الواقعي، هو الذي أسس له مرسماً في بغداد بمحاذاة مركز الفنون، حيث كان يتواجد فيه الكثير من شباب الرسامين الذين طوروا مهاراتهم عنده. وكان يمكن لهذا المرسم أن يكبر ويتطور أكثر ليصبح بمثابة مؤسسة أو معهد لدراسة الفنون، لكن الزمن كان يريد لهذا الموضوع أن يأخذ مجرى آخر، ليتبدد إبداع سعيد مثلما تبدد فن آخرين وسط تحولات الفن (والكثير من الإستسهالات المغرية) التي صاحبت الفن الحديث، يُضاف الى ذلك عدم إمتلاكنا إهتمام حقيقي وتوثيق لهذا النوع من الرسم كما يحدث في العالم.
لا أعرف أين سعيد الآن وقد سألتُ عنه ولم أتوصل الى معلومات كافية عن نشاطه أو فنه أو ما يقوم به، لكني لن أنسى أحد أبناء جيلي، ذلك الشاب الأسمر النحيل الذي كان يُحَوِّل قلم الرصاص الى فتنة وسحر وجمال، ذلك الذي يضع الألوان الزيتية على قماشات الرسم لتضج بمرتادي الأسواق والجوالين والراقصات ورواد المقاهي. وكي أكون أميناً، عليَّ القول بأن سعيداً لم يكن مجرد رسام مرَّ في حياتنا كرسامين، بل كان شهاباً أضاء مناطق معتمة وفتحَ باباً جميلاً، وترك بعده الكثير من الأسئلة التي تتعلق بجدوى الرسم وما يمكن أن يحدث للمواهب العظيمة. إختفى سعيد بقبعته العتيدة وعينيه الثاقبتين ومشيته الهادئة، وفوق كل هذا إعتداده الكبير بنفسه وثقته بالرسم. أتمنى أن يكون بخير، صديقي القديم الذي توارى ومازلتُ أتخيل حتى هذه اللحظة خطوطه الرشيقة وهي تتراقص على أوراق الرسم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram