علي عبد السادة السياسيون يبرعون في صناعة المفارقات. بينما يقض التردي الصارخ في مقومات الحياة مضاجع الأفراد، لا تزال جداول أعمال البرلمان تزدحم، فقط، بمشاريع قوانين تقترب من كونها صفقات لتصريف المنافع ومصالح المال.البرلمان، وكما يعلن هو في موقعه الرسمي، لم يقر سوى قانون نواب رئيس الجمهورية.
ولم يضف على ما يسميها"لائحة القوانين المقرة حديثا، سوى ثلاثة قوانين يعود تاريخ انجازها الى عام 2009. ما يعني انه، وطيلة، تسعة أشهر، قتلت ستة شهور منها بتقليعة"الحالة المفتوحة، لم تنجز سوى قانون يفاقم من مخارج الموازنة.المفارقة تقول انه في حين انشغل ممثلو الشعب بشأنهم وراتبهم ومخصصات حماياتهم ونثريات ضيافتهم وسفريات وفودهم وايفادات لا اول لها ولا اخر، كان الشارع، من انتخبهم واجاز لهم العبور الى قبة البرلمان، يخوط الشوارع غضبا من اجل خدمات شحيحة وكهرباء شبحية وفساد بات يزيد من قبضته على رقاب المساكين.المفارقة تقول أيضا، ان سياسيين تصدوا للرأي العام في ايام التظاهرات نفسها للحديث لا عن احوال الجمهور بل عن اتفاقات ومخاوف من نقضها تتعلق، حصرا، بتوزيع الحصص، ولم يقل احد ان عينه رفت لأصوات الفقراء والمقموعين والساقطين في وحل تقييد الحريات، بل ثرثروا كثيرا في وجوب وعدم وجوب ان يكون للرئيس اربعة او خمسة نواب.المفارقة ان سياسيين، من اي لون كتلوي شئت ان تختار، جابهوا الرأي القائل بان عددا كبيرا من المسؤولين دون مبرر او عنوان مهني مجدي سيفاقم من فوضى وتشتت المناصب، رفضوا ذلك، وباتوا يصرون لان في الامر اموال وتخصيصات. لان في الامر جاه وكرسي، لان في الامر راحة جيب ولتذهب راحة الضمير والبال الى الجحيم.أقسم انه لو تسنى للمجلس ورئاسته ان يجن جنونه فيقرر جعل مناصب الدولة شرفية ويتقاضى المتصدي لها مبلغا رمزيا، ستكون شاغرة الى الابد.دولة المفارقات تتأسس على قدم وساق كل يوم، كل جلسة مفاوضات، كل شد وجذب بين المتدافعين والمتصارعين الى مقعد واربع مساند، كلما فتح الفاسدون الطارئون افاوههم وسال لعابهم الى الحصص. أقسم ان لا يجد البرلمان شيئا ليبثه الى القنوات الفضائية، لن يجد شيئا يقوله او يتباحث فيه. أقسم ان هؤلاء المزعوم انهم حاوملوا لواء التغيير في انتخابات السابع من أذار سيجعلون من جدول اعمال البرلمان فارغا، لو لم تكن هناك منافع.الفكرة في ان الترشيح للانتخابات واعلان البرامج والخوض في شعارات ووعود والحلف والتاكيد على خدمة الناس، لم يكن سوى ان الدولة، من وجهة نظرهم، (بقرة حلوب) وهذا وصف استعيره من نص بيان مجموعة مثقفين اعلنوه امس وتشرفت بالانضمام اليهم. انها بقرة سمينة تنقط ذهبا كل ساعة ودقيقة، هؤلاء ينتهزون فرصة الانقضاض على ما تيسر من حليب النثريات.هذه مفارقات تلتحق بواحدة قديمة، أذ يعرف النائب مصيره بعد انتهاء الدورة التشريعية، يعرف انه سيحال الى التقاعد براتب يوازي أو اقل قليلا من مخصصاته ايام النيابة. بينما يتجاهل ان نواب اكثر الديمقراطيات رسوخا في العالم يلتحقون بعد خروجهم من البرلمان بعملهم القديم حتى لو كان عاطلا عن العمل ولا تنمحه الدولة اي قرش لجلوسه كنائب سابق على أريكة الهزاز في منزله الجديد على ضفاف دجلة.البقرة الحلوب القابعة في كواليس التشريع والمباحة بقوانين لانعاش ممثلين عن الناس وليس موظفين في القطاع العام.
بالعربي الصريح :دولة البقرة الحلوب

نشر في: 15 فبراير, 2011: 07:33 م







