كاظم الواسطي لنقل ، بصراحة ، إن الإحتجاجات والإنتفاضات الشعبية التي تشهدها المنطقة العربية ، اليوم ، من أجل تغيير أنظمة الحكم الدكتاتورية التي ضيقت على أنفاس المواطنين عقودا طويلة ، وانتزعت منهم أبسط حقوقهم ، وحرياتهم ، تمثّل نقلة نوعية في مسار حركة الإصلاح والتغيير التي يقودها شباب غاضب قضوا أعمارهم في التهميش والإقصاء من حكامٍ لم يضعوا في حسابهم التفكير بمصير الناس ، والطريقة التي يعيشون فيها .
إن الطريقة السلمية التي عبّر بها هؤلاء الشباب عن مطالبهم المشروعة في إرساء دعائم الديمقراطية ، والتداول السلمي للسلطة، ووجود برلمان منتخب ، بنزاهة من الشعب ، ويحكم باسم هذا الشعب الذي له كل الحق في محاسبة الفاسدين والمفسدين في كافة مجالات الحياة . نقول ، إن هذه الطرق السلمية في مواجهة تراكمات الاستبداد والقسوة ، تشكّل الآن منعطفاً جديدا في تاريخ المنطقة السياسي والسوسيو - ثقافي الذي ارتكز في تأسيسه على الإنقلابات العسكرية ، وثقافة الثكنة .نعم ، إن انتفاضة 25 – يناير السلمية التي يقودها الشباب المصري والتي أطاحت بنظام حسني مبارك قد أخرجتنا من معطف الانقلاب الدموي إلى رحاب المواجهة الشعبية المسالمة التي فتحت الأبواب مشرعة لكشف الحقائق ، وإظهار ما كان مسكوتا عنه ، ومخفياّ في أروقة المؤسسات القمعية . وبيّنت لنا بوضوح كم هي هشّة هذه المؤسسات ، التي توارت رموزها القمعية في الشوارع الخلفية حالما تراءت لها ذنوبها يوم كانت تجلد ، وتعذّب من تشاء دون وازعٍ من ضمير – وهذا ما حصل لدينا بعد التغيير مباشرة، حيث تبخرّت الأجهزة الأمنية ، بل والعسكرية أيضا خلال ساعات قليلة وتركت الباب مفتوحا لعمليات السلب والنهب ، وقبل صدور قرار بريمر بالحل والإجتثاث – إنه الخوف من الطرائد التي لاحقوها ، وتركوا في أرواحها وأجسادها ندوبا لا تُنسى . ولكن مشكلتنا كانت في تغييب المبادرة الشعبية ، وتقييدها من قوى ادعّت قيادة عملية التغيير باتجاه خدمة الشعب ، وتثبيت حقوقه وحرياته عبر استخدامها لآليات تنظيمية تجنبنا الإنفلات الأمني ، وفوضى ما بعد التغيير . وساعد على تصديقنا لما يُطرح علينا ، حالة العزلة ، والإنغلاق على الذات ، التي عمّقّها النظام الدكتاتوري من خلال غياب وسائل الإتصال الحديثة ، وعدم وجود شبكة انترنيت للتواصل مع العالم ، وحظر تأسيس منظمات المجتمع المدني ، ومنع الوسائل الإعلامية المستقلة ،وهذه العوامل لها دور مهم وأساسي في تنظيم وتطور الأحداث الإجتماعية والسياسية – وها ما نراه بوضوح في انتفاضتي تونس ومصر عبر المتابعة اليومية المباشرة لمواقع التواصل الاجتماعي العالمية – الفيس بوك وتويتر واليو توب - .عاشت شعوب المنطقة العربية تحت ظل أجواء الخوف – وبرأي الشاعر أدونيس إن الخوف موت قبل الموت – واستخدام القوة المفرطة التي تمنع مؤسسات القمع بوساطتها أيّ تعبير عن رأي مخالف ، وتلتزم جيدا بسياسة فرض الصمت على الشعوب ، وجعل الناس متماثلين في حظيرة واحدة ، لا تسمح لأحدٍ ، وسم فيها بوشم القطيع ، أن يخرج منها سالما ً . وظلت معادلة المطارِد – بكسر الراء- والطريدة الكسيرة هي التي تحكم علاقة أنظمة الإستبداد بالمواطن ، وتركت لنا هذا العدد الهائل من الشِراك ، والفخاخ المنصوبة في كل زاوية وشارع . إن الوعي الجديد للشباب العربي ، وتفاعله مع أدوات عصره ، وإحساسه بأن هناك حياة أخرى غير هذه الحياة التي فُرضت عليه قسرا ، وجعلته لا يعرف سوى طعم الذل المرير الذي عاشه كل هذه العهود ، هذا الوعي المنشغل بمقارنة مشاهد الحياة في كل مكان من عالمنا الذي بات بحجم الغرفة ، بل بحجم شاشة الكومبيوتر، قد أخلّ بهذه المعادلة المهينة ، معادلة المفترس القوي والضحية الضعيفة ، باحثا عن علاقة جديدة بين مواطنٍ قويّ بحقوقه وحرياته ، ومستبدٍ مهزومٍ بأدوات قمعه التي صارت سبباً كافياً لنبذه من أدوات العصر المحررّة للعقل من قيود الجغرافيا ، والحدود الأمنية المغلقة. إن إعلان الحرية بالمعلومة والاحتجاج الشعبي أصبحت أمضى وأقل خسارة من إعلان الحرب بالسلاح وتخريب مظاهر الحياة التي كلّفت البشرية الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات . بل أنها تترك مساحة أوسع للسلام بين أبناء الشعب الواحد خارج تأثير القوى المتزمتة التي تتصارع من أجل الاستئثار بعملية التغيير ، وقطف ثمارها داخل مساحاته النفعية الضّيقة . إنه درسٌ جديد للحرية علينا قراءته جيداً .
25 يناير درسٌ جديد للحرية

نشر في: 15 فبراير, 2011: 08:00 م







